.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

الثقافة والفن ولعبة النسيان

الثقافة والفن ولعبة النسيان

جريدة طنجة - مصطفى بديع السوسي ( الثقافة )
الخميس 22 دجنبر 2016 - 11:12:53
• كثيرًا ما دفنا عصارة علم علماء في التراب
• وكما تجمعون وبلا حساب فانفقوا على هذه الشريحة ولو بقدر.


في تاريخ طنجة، نماذج حيَّة توهجت في فضاء المدينة وأعطت الكثير وتركت بصماتها خالدة خلود الحياة، ولكنها ومع كر السنين والأعوام، جوبهت بالتجاهل والنكران والجحود، فآل مصير البعض إلى النسيان ودوامة المرض، بينما فضل الآخرون الهجرة والتجوال في أرض الله الواسعة.

وما يقُال عن طنجة ينطبق على باقي المدن، أي أن الكل في الهم سواء، ودائما نَسمع مرُ الشكوى من رجالات العلم والفن والثقافة الذين أعطوا من جهدهم وعرقهم وراحتهم الكثير حتى داهمهم المرض فنسيهم الجميع، وفي أحسن الأحوال تفضلوا عليهم بحفلة تكريم متواضعة، يخرج منها الفنان أو المثقف بحفنة تصفيقات لا تسمن ولا تغني من جوع وبلعبة على شكل كأس أو شعلة أو مبخرة يتلهى بها في أخريات أيامه، أما العالم فله ركن زاوية أو حجرة شاحبة في بيت قديم باستثناء «خدام الدولة » طبعا...

الدكتور المرحوم المهدي المنجرة عالم المستقبليات كان منبوذا في وطنهِ فَتاهَ في الأرض الرحبة، وحيثما حل وارتحلَ لقي الترحيب والتقدير، وحَطَّ الرحال في اليـابــان مُحـاضـرًا دائما استفاد بعلمه الآخرون رغم علمهم وعلماءهم وتقدمهم ولفظناه نحن لفظ النواة.

وكثيرا من العلماء علماء دين وعلماء دنيا الذين لقوا نفس المصير ولا تغرب عن بالنا قصة العالم الجليل أحمد بن الصديق دفين القاهرة الذي كان يقصده علماء الأزهر للفتوى والتفقه.. كثيرة هي الأمثلة.. وكثيرا ما دفنا عصارة علم علماء في التراب... وكثيرا من المخطوطات لازالت قابعة في أدراج أبناء وورثة علماء لم تر النور لضيق ذات اليد، بينما الدعم الرسمي يتجه لمهرجانات داعرة ماجنة كما هو الحال في مهرجانات السينما، التي تتنافس المتصابيات العواجز على إبراز مفاتنهن فيها إذا كانت لديهن مفاتن عبر أزياء تنشق من الجانبين إلى حد الفضيحة ويصدق عليها قول المغني اليهودي المغربي قفطانك محلول ألَلاّ، همهن أن يمررن فوق البساط الأحمر متمايلات مترنحات يغتصبن بسمات بلهاء توشي بإفلاس أخلاقي تام، والقلة ممن طبعوا فننا ببصمات لا تمحى من الذاكرة، يعيشون فقرا مدقعا بعد سنوات العطاء، وأمراضا تتوالى على الجسد المنهوك ترسم في أخاديده قساوة الأيام وتجاهل الوطن.

لقد رأينا كيف بدا عبد الرحيم التونسي «عبد الرؤوف » في حفل تكريمه، وفي البرنامج التلفزي الذي تلا ذلك، لم تكن سنوات العمر فقط هي البارزة على محياه.. ولم يكن تعب السنين.. لكن الرجل كان ينوء بحمل أثقال المعاناة.. كان الهزال والمرض باديان عليه...

وكانت عباراته تنطق بألمه وكانت اللعبة التي أهدوه إياها كطفل صغير في يوم عاشوراء قمة المهزلة !! هل يحتاج هؤلاء لتعويض مجز جراء ما قدموا وما أعطوا وما أفنوه من سنوات العمر دون أن يحسبوا لغدر الزمان حسابا، ولتغطية صحية دائمة ولرعاية كاملة حتى تثبت الدولة أنها لا تتخلى عن أبناءها أم يحتاجون إلى لعبة سخيفة لديكور يؤثث البيت المتواضع هم لا يحتاجون إلى ديكور... ولا إلى ملهاة.. ولا إلى تصفيقات خرقاء.. ولا إلى كلمات رنانة سرعان ما تتلاشى كفقعات فارغة بمجرد انفضاض الجمع.. من منهم لازال يذكر عبد الجبار الوزير في محنته مع رجله الصناعية؟.. ومن يذكر الفنان القدير طاهر جمي وهو عند عتبة آخر العمر!؟.. بعضهم فطن للوضع، وحسب حساب الزمن الغادر ونكران الأهل والخلان، فجمع القرش الأبيض وفتح محل جزارة أو ورشة لإصلاح السيارات، أو محل بقالة تحسبا لليوم الأسود حينما يتفرق جمع الأحبة، وتهجره عدسات التصوير ويقل مريدوه ويصبح في خبر كان...

وبما أننا نتوفر على قطاع خاص قوي.. وأبناك لاهم لها إلا الاستثمار وجني الأموال والأرباح ولو في أبعد نقطة دون أن نلمس لها صدى في الجانب الإنساني والخيري

وبما أن الوطن بعلماءه وفنانيه في حاجة إلى عطاءهم، فلا يمكن تحميل الدولة كل شيء رغم أن هذا واجبها وضمن مسؤولياتها، فلماذا لا نرى لأثريائنا أثرا إلا في حفلات البذخ والمجون والتبذير حيث لا يبخلون بعطاياهم على الشيخات، وه ذا ليس هو الفن الذي نعنيه، كما أن تلك العطايا السخية ليست بالمقصود الذي نتوخاه.. نريد إسهاما ماديا فعالا لمساعدة المنسيين من العلماء والمثقفين والفنانين ما ينسيهم كدر الأيام وجحود الوطن أفيقوا من سباتكم يا أثرياء الوطن.. أفيقوا من غفلتكم.. وكما تجمعون وبلا حساب، فانفقوا على هذه الشريحة ولو بقدر.. لقد أنفق بعضهم على زفاف ابنته ما يكفي لإطعام مدينة لشهر كامل أو يتعداه... ووصل جنون الكبر بالبعض الآخر أن جلبوا الندل وموزعي المشروبات الكحولية وغيرها من فرنسا في طائرة خاصة، وفي صناديق قمامة البعض وجدت دجاجات كاملة.. وعند الآخرين كان حفل الزفاف في قصر منيف في مراكش يوحي بأيام ألف ليلة وليلة، وكانت هدايا العروس ذهبا متراكما وألماسا وحجارة كريمة وطاقم أحذية جاوز عددها المائة حذاء.. كل هذه العنتريات والكبرياء الهجينة في بلد سائر في طريق النمو،. لازالَ سُكان أريــافه وبواديه وجباله الجليدية يعيشون الكفاف والعفاف، قانعين بصدقات أيام الزمهرير..

حاولت في هذا المقال أن أراكم أفكارا وخواطر وهواجس ونبضات قلب خافقة عالية... وساقني القلم رغما عني إلى البوح بما يعتمل في الصدر الذي ضاق بلواعجه وآلامه، عسى أن أنفس بذلك عن كرب طال واستطال، وعن غبن أحسه منذ سنوات، وعن حاضر أعيشه بصبر وأناة وضيق في التنفس... ومستقبل أستشرف أيامه الكالحات فإذا سحابة ثقيلة تحمل أمطارا وصواعق ورعدا وبرقا....





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news4782.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.