.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

الزوايا الصوفية في المغرب ... الزاوية الصديقية نمــوذجــًا..

الزوايا الصوفية في المغرب ... الزاوية الصديقية نمــوذجــًا..

جريدة طنجة - مصطفى بديع السوسي (.الزاوية الصديقية.)
الجمعة 24 فبراير 2017 - 17:01:31

قلنا عن سيدي عبد السلام بن ريسول إضافة إلى أنه رجل علم ودين وصوفية ومقامه كبير في قلوب مريديه.. مقام عال واستقامة سامية فهو نشأ وتربى متدربا على الرياضة البدنية، مارس السباحة، وتعاطى ركوب الخيل والأمور الحربية، والرماية، وكان كل جمعة بعد صلاة العصر تتلى بحضرته آيات القرآن الكريم مع الأنشاد الصوفي تعقبه قراءة همزية «الشيخ البوصيري» ومقتطفات من بردته المشهورة، والقصيدة البغدادية مع أزجال وموشحات تتخلل أجزاء الهمزية والبردة.

ويقول الدكتور عبد الهادي التازي مضيفاً: وقد كان للقطب الشهير سيدي عبد السلام بن ريسول (1299 ـ 1882) على ما يرويه الشيخ التادلي، والشيخ داود كذلك، كان له مجلس لترتيل الامداح النبوية، وقراءة الهمزية التي رأينا أن الشيخ الريسولي يترك لها وقفا خاصا يعطي للمداومين على ترديدها في الزاوية الريسونية من أصحاب الأصوات الحسان عصر كل جمعة بعد قراءة صلاة الشيخ سيدي عبد السلام بن مشيش (1).

وغالبا ما كان يعقد يوم الأربعاء من كل أسبوع جمعاً تناقش فيه قضايا الفكر والاداب والعلوم، ويساهم فيه إلى جانب الشيخ ابن ريسول صفوة من علماء وفقهاء المدينة، وكثيراً ما كانت تطرح فيه بعض قضايا المدينة التي كانت تصل إلى علم الشيخ فيقوم بحلها مع المسؤولين، وإن اقتضى الحال حتى مع السلطان نفسه كما حصل عند هجوم الاسبان على مدينة تطوان في حرب 1859 واحتلالها، والمراسلات التي جرت بينه وبين السلطات.

الزاوية الكتانية: (الشيخ عبدالحي الكتاني)
تضاربت المصادر في شأن الشيخ عبدالحي الكتاني بين العالم والمتعامل، فقد كان أمره محيرا، فنظراً لموقعه كعالم ينتمي لبيت صوفي فإنه كان محبا للوجاهة، والسلطة، والظهور بمظهر العظمة، وقد روي عنه هذا غير واحد من معاصريه. فلعل هذا ما دفعه للمشاركة في الحياة السياسية بطريقة جعلت اتهامه بالخيانة أمراً سهلاً، وذلك يظهر بجلاء في تواطئه لخلع الملك محمد الخامس، وحضوره تعيين ابن عرفة مع الباشا الكلاوي... قد يعتذر البعض بأنه كان يطلب الحماية من الدولة الفرنسية له ولأهله وممتلكاته لكن من هو مطلع على شخصيته ونمو فكره وطموحه للرياسة يجزم بتواطئه مع الاستعمار أو أعوان الاستعمار في المغرب وهذا تؤكده المراجع التاريخية لا يُعرف للطريقة الكتانية زاوية خاصة لمريديهم في طنجة، بل كانوا في أول الأمر يجتمعون في زاوية آلْ تقيت بدار البارود، وهذه الزاوية تُنسب للمجاهد محمد تقيت البقيوي الريفي،، دفين بلدته بالريف، فلما فرغت الزاوية من أتباع له يملؤونها بأوراده، تولّى أمرها أتباع الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني (الشهيد، قتله السلطان عبد الحفيظ بفاس سنة 1327هـ/1909م وهو مؤسس الطريقة الكتانية مع والده)، لكن في منتصف القرن الماضي، أو في النصف الأخير منه انتقلت الزاوية الكتانية إلى مقرها المعروف بشارع هولاندا.

الزاوية الصديقية: كانت وماتزال مركز إشعاع، وانطلاق لنشر الدعوة الخالية من التطرف الذي أسال الدماء أنهاراً، وأحال الأرض الإسلامية إلى رقعة مثخنة مباحة لكل سفيه ومدع ومتعطش للدماء وموغل في الجهل والظلام، وكان حريا بالسلطات المسؤولة أن تولي للزاوية الصديقية كل الرعاية والعناية والاهتمام سيما وأنها تقوم بأداء أدوار هامة لا تقوم بها الأجهزة الرسمية بكل إمكانياتها إنها دوحة سامقة لنشر العلم والتربية الحقة البعيدة عن الدجل والخرافات والأراجيف، كما أنها السد المنيع في وجه التطرف والغلو والتكفير...

إنها محاولة متواضعة لسبرغور ملف الزوايا الصوفية بالمغرب، والتعريف بها الاأدعي أنني ألممت بالموضوع كله ولا حتى بجزء منه، فالزوايا كمل قلت في مستهل هذا الحديث كثيرة، والمصادر أو المراجع شحيحة، ولكنني حاولت أن أركز على أبرزها ممن أعطت وبذلت وعانت، ورغم ما ألصق ببعضها من أكاذيب، ودبّر من مكائد فإنها خرجت مرفوعة الهامة، مجللة بالفخار.

والصوفية كما أبرزها دعاة العلم شراب ألذ من العسل، ولكنه طريق طويل شائك.
سئل الحلاج يوماً من طرف طالب علم وهو مصلوب: « ما هو التصوف ؟.. أجاب: أهونه ما ترى!...».
كان تأسيس الزاوية الصديقية على يدي الامام الشيخ العارف بالله محمد بن الصديق دفين الزاوية وذلك سنة 1327هـ/1909م.

وأنجبت ثلة من العلماء الكبار تحدثوا وأفتوا ودعو إلى الحق وإلى المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلاّ هالك، قاوموا اللظلم والطغيان بكل ما أوتوا من قوة، وأدوا الثمن غاليا، ولم يتبرموا أو يتذمروا فتلك ضريبة واجبة يؤديها العالم الملتزم من صحته وماله وراحته، وعليه أن يلوذ بالصبر.

فالصوفية بقدر ما هي جهاد النفس والهوى والشيطان هي عذاب ومعاناة، والتاريخ حافل بحكايات أئمة وعلماء عذبوا وسحلوا وعلقوا، وأودعوا غياهيب السجون كما حدث لعالمنا الفذ أحمد بن الصديق دفين القاهرة، وشقيقه العلامة عبد الله بن الصديق الذي غيب في سجون عبد الناصر أيام السفاح صلاح نصر لمدة فاقت 15 سنة، وكما حدث للعلامة عبد العزيز بن الصديق في مسألة توحيد الصيام.

الزاوية الصديقية أفرزت كبار العلماء ممن غطوا الأرض الإسلامية مشرقاً ومغرباً وتصدر بعضهم للفتوى لعلماء الأزهر الشريف.

وهم على التوالي:
الأب: سيدي محمد بن الصديق توفي سنة 1334هـ.
ثم الإخوة من الأب أو من كليهما الأب والأم:
ـ أحمد بن الصديق : المتوفى 1380هـ/ 1960م
ـ عبد الله بن الصديق : المتوفى 1413هـ/ 1993م
ـ محمد الزمزمي بن الصديق : المتوفى 1408هـ
عبد الحي بن الصديق : المتوفى 1415هـ/ 1995م
ـ عبد العزيز بن الصديق : المتوفى 1417هـ/ 1997م
ـ الحسن بن الصديق : المتوفى 1432هـ
ـ ابرهيم بن الصديق: المتوفى 1420هـ

للزاوية الصديقية فروع في كل من أصيلة، العرأش، القصر الكبير، سلا، فاس، وفي القاهرة بمصر تقام بها مجالس الذكر والوعظ والإرشاد، كما تنظم حفلات بمناسبة المواسم الدينية كالمولد النبوي الشريف، والاسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان وهكذا...

ومعلوم جغرافيا أن مصر تقع في طريق الحجاج المغاربة الذين يقصدون الديار المقدسة، فكثير من أهل المغرب خرجوا قصد الحج، وعند وصولهم لمصر استوطنوها وكان منهم علماء، وأحيانا يكون القصد هو السياحة فيجذبهم ما تزخر به مصر من معالم حضاية قديمة، وموقع مميز بين الدول والشعوب فيستقرون بين أهلها ومنهم من خرج من المغرب متجها إلى مصر بحثا عن شيخ يسترشدبه ويأخذ عنه طريق التصوف وعندما عثر عليه لزم رحابه.

العلامة المُحَدّث أحمد بن الصديق يصافح الرّئيس "جمال عبد الناصر"

وقد يكون هذا غير محصور بمصر فقط، فهناك من استقر مقامه بالشام وبها أقبر كالشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رضي الله عنه (دفين دمشق). وهو أندلوسي خرج من الاندلس.

واستقر بالمغرب فترة، تابع رحلته ليستقر أخيراً بدمشق، وقد دفن بجواره الأمير عبد القادر الجزائري رحمه الله، وفي القدس عددجمّ من المغاربة منهم من خرج مع صلاح الدين الأيوبي مجاهداً حين عزم فتح بيت المقدس فاستقروا بالقدس وتبعهم بعض أهاليهم، ولا زالا هناك حي يحمل اسم «باب المغاربة»، ولعل ـوهذا لاشك فيه ـ أن ذريتهم ليوم الناس هذا لا زالت هناك. وبالرجوع إلى أسماء هولاء الآعلام في كتب الفهارس والتراجم تجدها بلاحصر إلا أنه اشتهر منهم (الشاذلي) وفي الوقت المعاصر مثلا الحافظ أحمد بن الصديق رحه الله.

إشعاع الزاوية الصديقية على ربوع المغرب أو المشرق عامة لإنبثق عن التصوف، أولا لأن أصحاب الزاوية كانوا ذوي مشرب صوفي وإنما إشعاعهم العلي الواسع المنبثق من اتجاهاتهم العلمية والاجتهادية وطرقهم لمواضيع علمية لم يطرقها السابقون.

ففي الحديث الشريف كانوا مدرسة... سواء علم الحديث رواية أو دراية، ألفوا في علومه مصنفات عظيمة الشأن، وفي الفقه كذلك، إلاّ أنهم لم يحصر وا فقههم في المذهب الواحد، بل كانوا مطلعين على المذاهب الأخرى الأربعة وغير الأربعة... وفي الأصول والتفسير واللغة... ألخ... بل أبدعوا في العلوم إبدعاً.
فقد ألف العلامة السيد عبد الله بن الصديق في علم جديد سماه «بدع التفاسير» واستدرك على أصحاب علوم القرآن في فنون لهم فيه، وألف أحمد بن الصديق في أصعب علوم الحديث كالإخراج والاستخراج والتخويج والعلل الجرح والتعديل وكانوا جميعاً سدّا منيعا أمام تيار الوهابية الجارف بأمواله وهباته لاتسقطاب عقول الدعاة والشباب في مصر كما في الغرب، وأيضاّ قاموا بنقد لاهل الحل و العقد في تسييرهم السياسي، وطغيان الفساد في الإدارات والمؤسسات المسيّرة لأمور البلاد والعباد.

قلنا أنه لابد من أداء ضريبة الدعوة والعلم والتبليغ فقد سجن أحمد بن الصديق رضي الله في المغرب من قبل سلطات الاحتلال في منطقة طنجة الدولية لقيامه بتجهيز حملة جهادية ضد الاستعمار لطرده من البلاد، وتحرير ربقة العباد من استعباد المستعمرله، واستغلال ثروات بلاده، ذلك أن أحمد بن الصديق قام بحملة عسكرية أولى سنة 1358 هجرية باءت بالفشل وبعدها كانت هناك اتصالات مع اسبانيا وفرنسا وحتى أمريكا من أجل رفع الظلم عن الشعب المغربي... وكف جرائم الحرب الاستعمارية عليه.

وشن حملة ثانية، وكان انطلاقها سنته 1369 هو يوم السبت فاتح جمادي الأولى من سنة 1369 هـ اعتقل العلامة أحمد بن الصديق وحوكم أمام محكمة دولية في طنجة، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف مع النفي وغرامة مالية فادحة جداً، ويوم الأحد جمادى الأولى 1369هـ انتقل إلى سجن «عز ريطو» بطنجة (منطقة مالاباطا) حيث برج السجن لازال منتصبا رغم تحول المكان إلى منطقة سياحية فاخرة.

ويوم الثلاثاء 4 جمادى الاولى انتقل إلى سجن بني مكادة (القشلة) ـ ،الثكنة ـ وبعدهها انتقل إلى العذير بين أزمور والجديدة ـ وهو سجن كان معدّاً لمن يقوم بأعمال مسلحة ضد الاستعمار ـ بعد فترة النفي، وبعد سنة نقل إلى إقامة إجبارية بحراسة الجيش الفرانسي إلى مدينة أزمور سنة 1370 هـ يحدثنا بذلك عن نفسه في ترجمته «البحر العميق» وكانت له بعض الرسائل الخاصة مع شقيقه الأصغر العلامة السيد عبد العزيز بن الصديق كانت ظروفاً صعبة احتاج فيها إلى نقله إلى مستشفى بالدار البيضاء أكثر من مرة، ورغم ذلك كان يرى اعتقاله على يدي الفرنسيين أرحم له من يد الاسبان الذين كانوا يتوعدونه بالقتل كما فعلو بأحد أبناء عممومته الذي اعتقل مع الشيخ في هذه الحملة حيث قتلوه شرّ قتلة، وعذبوا من كان في هذه الحملة من الافراد تعذيبا شديدا، ورغم محنة السجن و النفي و المرض آلف رحمة اللّه في معتقله كتباً ومصنفات أثنى عليها العلماء في مشرق الأرض ومغربها، وكان سبب هذه الحملة الجهادية التي قام الشيخ أحمد بن الصديق هو رؤيته للإسبان يكيلون لأبناء بلاده في القرى والمدن الظلم والغصب والتجويع والتقتتيل لم يسعفه شرفه ودينة وعلمه إلاّ أن ينصر أبناء بلاده فقام بتسليح حملتين جهاديتين أنفق عليها أموالا طائلة، فالحملة الأولى باءت بالفشل لكون «المجاهدين» الذين سلحهم خافوا وتركوا سلاحهم في عابات أنجرة ولادوا بالفرار، وفي الثانية كان بين الصفوف مخبراً بلغ الإسبان خبرهم فاعتقلوا معظم من كان في الحملة غير أنهم لم يستطيعوا القبض على الشيخ أحمد بن الصديق لمكانته في المدينة والبلاد، ولأنه كان في دينة طنجة ذات الحكم الدولي، وبعد تفتيش بيته بحثا عن السلاح لم يجدوا شيئاً فدسوا له (أحد أتباعه) فساق لهم الشيخ إلى مخفر الشرطة.

ـ جمال عبد الناصر سجن الشيخ عبد الله بن الصديق لأسباب منها ما هو معروف، ومنها ما هو غير معروف، فالمعروف أنه كان يلقى محاضرات في القاهرة بدعوات من جمعيات اسلامية.

كالإخوان المسلمين مثلا، والغير معروفة أن بعض أتباع حزب تقليدي تاريجي كبير في المغرب كانوا يدبرون له في مصر أو لأخيه الأكبر أحمد بن الصديق مكيدة وقع فيها سيدي عبد اللّه وحكم عليه بالإعدام مع جماعة كبيرة وكانت التهمة جاهزة وهي التخابر مع دولة أجنبية.
اعتقاله هذا أثر على صحة أحمد بن الصديق، وأضعفت حركته ونشاطه، لكن الإعدام لم ينفد، وبقي في السجن حتى توفي عبد الناصر وأخلى أنور السادات سبيله، وحسب ما أشيع فإن ذلك تم بتدخل من جلالة الملك الحسن الثاني الذي امتنع عبد الناصر أول الأمر من قبول شفاعته.
سجن العلامة عبد اللّه بن الصديق بتاريخ 14 جمادى الاخرى 1379هـ 15 دجنبر 1959م، بسجن طرة في القاهرة، وأفرج عنه في 16 شوال 1389هـ 26 دجنبر 1969م.

أما أحمد بن الصديق فادخل السجن في مصر بضغط بعض «أبناء الحركة الوطنية» على أصحاب القرار في مصر آنذاك، فتوسط له السيد حسن تهامي (كان مكفا بالإستخبارات العسكرية)، قبل أن يعين في الخارجية سفيرا لمصر في تشيكو سلوفاكيا، فأفرج عنه عبد الناصر ومنعه من الاقامة في مصر فرحل إلى السودان واستقر بها فترة قصيرة، ثم إلى الشام، وفي كلا البلدين لقي ترحيبا بالغاً مع ما تلقاه من عناية واكرام من طرف العلماء والوجهاء ثم ذهب إلى الحج وعاد إلى مصر بعد أن سمح له بذلك ليوافيه الأجل يوم فاتح جمادى الثانية 1380هـ/ 1960م.

كان رحمه اللّه غزير الانتاج (واللأئحة المرفقة تشمل عناوين كتبه ورسائله ومصنفاته).

ولا زالت الزاوية الصديقية في طنجة وبها مثوى الشيخ محمد بن الصديق والد العلامة أحمد بن الصديق قبلة الرواد والزوار من داخل المغرب وخارجه، ولازال يقصدها طلاب العلم من مصر وماليزيا واندونيسيا ذكورا وأناثا ليغترفوا من معين علم الصوفية، وعلوم الدين على يد العلامة المحدث الدكتور عبد المنعم بن الصديق نجل العلامة الراحل عبد العزيز بن الصديق وهو وريث النبع المتدفق من علم شوامخ أعطوا ورحلوا عن عالمنا مبكرا... فجزاهم اللّه على ما أعطوا وما أفتوا وما أهدوا، ولله ما أعطى وله ما أخذ.
حاشية:
العلامة المحدث السيد أحمد بن الصديق (1960 ـ 1902).

من مواليد قبيلة ابن سعيد بناحية تطوان يوم الجمعة 27 رمضان 1902 ـ 1320 وانتقل به والده العلامة سيدي محمد الصديق إلى مدينة طنجة وهو شهره الثاني فنشأ تنشئة إسلامية صحيحة وتلقى حفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة بكتاب السيد العربي بن أحمد بودرة ولما شب أخذ مبادئ العلوم على شيوخ طنجة ومنهم والده الذي كان شيخا للطريقة الدرقاوية بالمدينة.

رحل إلى القاهرة عام 1918 ـ 1339، فالتحق بالأزهر الشريف ومكث به مدة حصل فيها على علم وفير ثم عاد إلى طنجة فتولى مشيخة الطريقة بعد وفاة والده وشرع في إملاء دروس في الأصول والحديث والنحو على الطلبة والمريدين وكان يجلس لحلقات الدروس التفسيرية والحديثية بالمسجد الأعظم بطنجة وفي الزاوية الدرقاوية وفي هذا الصدد يقول العلامة سيدي محمد بن عبد الصمد كنون (حضرت مجلسه ذات مرة ليلة المولد الشريف وهو يشرح حديث الصحيح: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم فأتى بالعجب العجاب واستمر يملي من حفظه نحو الساعتين كأنما يقرأ في كتاب فقلت تبارك الخالق الوهاب يوت الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب)(1).

وكان الشيخ ابن الصديق متعدد الرحلات إلى الحج وأولى هذه الرحلات كانت صحبة والده وهو لا يزال طفلا صغيرا وذلك عام 1911م وآخرها سنة 1948م وتوفي بالقاهرة يوم الأحد فاتح جمادى الآخرة عام 1380 ـ 20 نونبر 1960 يقول الأستاذ أحمد محمد مرسي من علماء، الأزهر: كنت أزور السيد الإمام الحافظ أحمد بن الصديق في بيته بالجيزة لأطمئن على صحته لأنه كان مريضا بالذبحة الصدرية والقلب ومنعاه طبيباه من القراءة والكتابة والصوم وفي يوم 20 نونبر 1960 زرته صباحا وكان يبدو طيب النفس وفي صحة حسنة فقعدنا نتحدث معه برهة وبينما نحن جلوس أذ قام على سريره مادا يديه وهو يقول بصوت مرتفع: يارسول اللّه يارسول اللّه كأنه يستقبله ويريد أن يضمه إلى صدره فأخذناا بجلال الموقف وسرت فينا روحانية غريبة وصرنا نصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم بالجهر ثم أخذتنا الشفقة عليه فأجلسته على سريره وصار يقول اللّه اللّه حتى فاضت روحه فسجيناه واتصلنا بالسيد حسن التهامي (2) ليعمل على تجهيزه ودفنه فأسرع في تجهيزه وحضرت عربة الموتى فأخذناه فيها إلى السيدة زينب وصلينا عليه هناك ثم أراد السيد حسن التهامي أن نذهب به إلى الحسين فذهبنا به وصلينا عليه هناك مرة أخرى وحمله جمع غفير من أصحابه إلى مقابر الخفير حيث دفن بحوش آل عواد في مكان منفرد به وكتب فوق قبره رخامة باسمه وتاريخ وفاته فمن زعم أنه مات على غير ما ذكرنا فهو كاذب واللّه على ما نقول شهيد(3).

كان هذا العلامة الجليل من حفاظ الحديث الشريف متنا وسندا مع دراية تامة بتراجم الرواة وطرق الجرح والتعديل فبرز في هذا الفن مثل العلماء المشهورين بالمشرق والمغرب وألف فيه وفي غيره من الفنون كتبا كثيرة سنأتي على إحصائها(4).

ومن كتاب التصور والتصديق ننقل من خطة أنه كان مالكي المذهب ثم صار شافعيا نحو عشرة أعوام ثم نبذ التقليد وقال بحرمته ووجوب الاجتهاد ودعا إلى ذلك ونادى به في مصر والمغرب وتبعه عليه من أراد اللّه هدايته إليه.

وكان الشيخ ابن الصديق من كبار العلماء ولكنه لم يقتصر على الاشتغال بالعلم وحده بل تعداه إلى المغامرة في بحر السياسة وكانت وضعية طنجة الدوليه نغري بذلك فاستغل الشيخ عددا من الأحداث السياسية للإعلان عن رأية ورأي أتباعه فيها ولم يكن ذلك بحال من الأحوال ضد بلاده ولا ضد مواطنيه.

تآليفه: كان الشيخ ابن الصديق مكثرا في ميدان التأليف يصدر في كتبه عن علم غزير وفهم دقيق وخصص جزاء من تآليفه للفقه وحصة كبرى للحديث الشريف والباقي للمشاركة بنصيبه في هذا الفن أو ذاك وسيدرك القارئ هذا الذي قلناه من خلال قراءة عناوين هذه الكتب.

ـ إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون. مطبوع
ـ إحياء المقبور بأدلة بناء المساجد والقباب على القبور
ـ إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحضر طبع بمصر عام 1949
ـ إقامة الدليل على حرمة التمثيل. وأعيد طبعه سنة 1979 مع كتاب أخر العلامة عبد اللّه (إزالة الالتباس).
ـ الإستعادة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة. مطبوع
ـ الإفضال والمنة برؤية النساء لله تعالى في الجنة.
ـ الإقناع بصحة صلاة الجمعة في المنزل خلف المذياع. مطبوع
ـ الإستنفار لغزو التشبه بالكفار. طبع بتطوان عام 1964 ثم ببيروت عام 1979.
ـ إتحاف الفضلاء والخلان ببيان حال حديث الممسوخ من النجوم والحيوان وعنوان آخر هو: شرف الإيوان في حديث الممسوخ من الحيوان.

ـ إتحاف الحفاظ المهرة بأسانيد الأصول العشرة (الموطأ مسند أبي حنيفة مسند الإمام أحمد ـ صحيح البخاري ـ صحيح مسلم ـ سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة والنسائي).
ـ اختصار مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا (المنتقى من مكارم الأخلاق)
ـ إعلام الأذكياء بنبوة خالدبن سنان بعد المسيح وقبل خاتم الأنبياء
ـ الأسرار العجيبة في شرح أذكار ابن عجيبة.
ـ الاستدراك على الحفاظ
ـ الأربعون المتوالية بالأسانيد العالية
ـ الأزهار المتكاثفة في الألفاظ المترادفة
ـ الإقليد في تنزيل كتاب اللّه على أهل التقليد
ـ الإسهاب في المستخرج على مسند الشهاب. ثلاثة أجزاء
ـ الأخبار المسطورة في القراءة في الصلاة ببعض السورة
ـ الاستعاضة في حديث وضوء المستحاضة
ـ الإشراف بتخريج الأربعين المسلسلة بالاشراف
ـ إظهار ما كان خفيا من بطلان حديث لو كان العلم بالثريا
ـ الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة
ـ الاستئناس بتراجم فضلاء فاس
ـ الإلمام بطرق المتواتر من حديثه عليه السلام
ـ الأمالي الحسينية
ـ الأجوبة الصارفة لأشكال حديث الطائفة
ـ الانشاء بإثبات نبوة النساء
ـ إسعاف الملحين ببيان حال حديث إذ ألف القلب الإعراض عن اللّه ابتلي بالوقيعة.
ـ الاجازة للتكبيرات السبع على الجنازة
ـ اغتنام الأجر في تصحيح حديث اسفروا بالفجر
ـ إيضاح المريب من تعليق إعلا الأريب
ـ الأربعون البلدانية للطبراني
ـ إرشاد المربعين في طرق حديث الأربعين
ـ اختصار مسالك الدلالة
ـ البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي والرد على ابن تيمية الحنبلي. مطبوع
ـ البحر العميق في مرويات ابن الصديق (فهرسة)
ـ بذل المهجة. منظومة في التاريخ عدد أبياتها 600 بيت
ـ بلوغ الآمال في فضائل الأعمال
ـ بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري
ـ بيان غربة الدين بواسطة العصريين المفسدين
ـ البيان والتفصيل لوصل ما في الموطأ من البلاغات والمراسيل
ـ تحقيق الامال في إخراج زكاة الفطر بالمال. مطبوع
ـ تحسين الفعال بالصلاة في النعال. مطبوع
ـ تشنيف الآذان باستحباب السيادة في اسمه عليه السلام في الصلاة والإقامة والأذان. مطبوع
المرجع: كتاب أعلام طنجة في الأدب والعلم والسياسة للباحث المرحوم عبد الصمد العشاب.
مواكب النصر وكواكب العصر للأستاذ محمد بن عبد الصمد كنون.
(1) مواكب النصر وكواكب العصر للأستاذ محمد بن عبد الصمد كنون.
(2) من الشخصيات المقربة للدائرة الرسمية بمصر.
(3) شهادة منقولة من نشرة مطبوعة بمصر عام 1960
(4) اعتمدنا في هذه اللائحة على عدة مصادر

المراجع :
ـ الدكتور عبد الهادي التازي: سيدي عبد السلام بن مشيش (المصدر: عمدة الراوين ج 5 ص 124).
دور الطرق الصوفية في المحافظة على التراث الموسيقي العربي
عبد الهادي التازي مجلة الماهل ص: 207 وما بعدها.
محمد داود: "تاريخ تطوان" القسم الأول، المجلد السابع ص: 111.





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news5091.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.