.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

آفــات اللسان

 آفــات اللسان

جريدة طنجة - عمر محمد قرباش ( أفة اللّسان! )
الجمعة 24 فبراير 2017 - 19:01:59

لكل شيء أفة وأفات اللسان عظيمة انتشرت بين جميع فئات المجتمع تولدت منها الأحقاد ، وثارت الضغائن ، وهاجت بسببها رياح العداوة والبغضاء ، وآفات اللسان إذا ابتلي بها الإنسان فقد يخسر الدنيا والآخرة ؛ فحين يصبح ويمسي وهو لا يراقب الله ولا يخافه ؛ جريئاً على حدود الله ومحارمه ، فتخط له في صَحـائـف السيّئــات زلاّتـه وآفـاتـهِ، فمَن هذه الآفــات انتِهـاك أعــراض النـــاس واستِخفـافهم، والخوض في الباطل، والاستهزاء والسخرية بالغير وإفشاء الأسرار والكلام فيما لا يعني ، وكذلك النّميمة بين النّاس والفتنة بينهم آفةٌ كبيرةٌ ، والغيبة وقد شبّها القرآن بأكل لحم الميّت لهي آفة كبيرة أيضاً ، وربما استهان بها الكثير في وقتنا الحاضر بلّ عدّوها من مؤنسات مجالسهم وما علموا أنّها عند الله ذنب كبير، ومن آفات اللّسان أيضاً آفة الكذب ، فالكذّاب من أشرّ النّاس، عدل عن الحقّ في كلامه فعدل عنه الحقّ ، والكذّاب يظنّ الكذب منجاةً له وما درى أنّ في الصّدق النّجاة الحقيقيّة فحبل الكذب كما يقال قصير، وقد يتلفّظ الإنسان بلسانه ألفاظاً لا يرضى الرّحمن بها من ألفاظ فحش وكفر وكثرة لعن وسباب وهذه كلها من المهلكات فربّ كلمةٍ بلغت بصاحبها نار جهنّم ولم يلقي لها بالاً والعياذ بالله – وفي الحديث الشّريف قال رسول الله -صَلى الله عليه وَسلم ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا , يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ) .

وهذه أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله عنها- حينما خاطبها النبي -عليها الصلاة والسلام قَالَت ... فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ , وَقَالَتْ بِيَدِهَا: هَكَذَا, كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً , فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ) .

فكثير من الأفات والأمراض التي تصيب العلاقات الاجتماعية من غيبة ، ونميمة ، وسب، وشتم ، وقذف ، وخصام ، وكذب ، وزور وغيرها … فللسان فيها أكبر النصيب ، وإذا سمح الإنسان للسانه أن يلغو في هذه الأعراض وغيرها كان عرضة للنهاية التعيسة والإفلاس في الآخرة ، وشتان بين إفلاس الدنيا وإفلاس الآخرة. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ( أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال: المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) .

فهذه أفات وأمراض يصاب بها اللسان ، وهي من أخطر الآفات على الإنسان مقارنة بسائر الأعضاء والجوارح ، لأن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم وغير ذلك من المحرمات ، ويصعب عليه التحفظ والاحتراز من حركة لسانه ، حتى ترى الرجل يتورع عن الفواحش والظلم ، ولسانه يخوض في أعراض الأحياء والأموات ، ولا يبالي بما يقول ، فمن استعمله وسخره في الخير والكلام الطيب والإصلاح بين الناس فقد أفلح وفاز، ومن سلك به طريق الضلال والفتنة خاب وخسر . لأن اللسان إما أن يكون مصدر سعادة وهناء ، وإما أن يكون سبب شقاء وعناء ، لذلك فإن حفظه وصيانته عن الوقوع في العثرات والآفات أمر بالغ الأهمية ، لأن آفاته كثيرة وعثراته خطيرة ، وهذا ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عنها وتحرمها وأهمها قول الله تعالى: ( وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم) ، وقد ورد نظير هذا في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ومعنى الألسنة الحداد: الكلام الشديد والتطاول على الناس والتكلم في أعراضهم. والسلق هو الأذى بسلاطة اللسان. ومنه قول الشاعر:

ولقد سلقنا هوازنا *** بنواهل حتى انحنينا
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال : " تقوى الله وحسن الخلق " ، وسئل عن أكثر ما يدخل النار فقال " الأجوفان : الفم والفرج " ، و المراد بالفم أفات اللسان لأنه محله .
فمن عرف دقائق أفات اللسان علم قطعا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصل الخطاب ، ولذلك مدح الشرع الصمت وحث عليه فقال صلى الله عليه وسلم " من صمت نجا " ، وقال عقبة بن عامر ، قلت يا رسول الله : ما النجاة ؟ قال : " أمسك عليك لسانك ..." ، وقد قال العلماء إن كل الكلام الذي لا يظهر فيه المصلحة يجب أن يمسك الإنسان عنه ، وعليه أن يميز أوقات الكلام والسكوت لأن كل منهما مطلوب ولكن في وقت يتحول الأمر للنقيض ، ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة ، فكم من صلات قطعت بسبب إطلاق اللسان والخوض فيما لا ينبغي ، وكم من دماء سفكت على الأرض بسببه ، وكم من نفوس بريئة نجت وسلمت به ، ولذا تجد كثيرا من الناس لا يقدِّرون اللسان حق قدره ، ولا يدركون مدى خطرهِ ، حتى يصيبهم من بأسه ، وينالهم من شرره ، فيصبح أحدهم عبرة للمعتبرين ، وأثرًا في الغابرين ، وما جال بخلده طرفة عين أن يكون قتيل لسانه ، أو أسير بيانه ، أو ذليلا بسبب كلمة خرجت من فمه لم يلق لها بالا، ولم يعرها التفاتا، لذا قالوا: ( آفة الإنسان في اللسان) ، وقالوا أيضا: (اللسان أجرح جوارح الإنسان) ، ويروى من كان لسانه سببا في حبسه أن الحجاج أطال ذات مرة خطبة الجمعة ، فقال رجل: إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا يعذرك فحبسه ، فقال أهله : إنه مجنون ، فقال: إن أقر خليت سبيله ، فقيل له فقال: والله لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني. ويحكى من كان لسانه سبب في نجاته ، أنه جيء إلى المتوكل بمحمد بن النصيب ووزيره ابن الديرواني ، وكان محمد هذا قد خرج على المتوكل ، استوزر ابن الديرواني ، فلما مثل بين يدي المتوكل ، قال: (ما حملك على ما فعلت؟ يا محمد!)، قال: (الشقوة ، وحسن الظن بعفوك ، يا أمير المؤمنين!) ، وأنشد يقول:

أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلــي *** إمام الهدى والعفو بالحر أجمل
تضاءل ذنبي عـند عفوك قلــة *** فجد لي بعفو منك فالعفو أفضـل


وقد يكون اللسان سببا في الجناية على صاحبه وهو ما حدث ليعقوب بن السكيت ، حيث جلس يوماً مع المتوكل ، وكان يؤدب أولاده ، فجاءه المعتز والمؤيد ولدا المتوكل فقال له : يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فقال: والله إن قنبرًا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للأتراك : سلوا لسانه من قفاه ، ففعلوا به ذلك ، فمات.
قال الشافعي:

احفظ لـسانك أيها الإنـسان *** لا يلدغنك إنـه ثعبـان
كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه شجعان


ولخطر أفات اللّســان على الفرد والمجتمع والأمة الإسلامية سنخصص حلقات متتابعة ـ إن شاء الله ـ عن أفات اللسان وعثراته ، لنتجنبها ما أمكن ولنبحث لها عن دواء ، نبتدئ بأخفها ونرتقي إلى الأغلظ قليلا ..





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://www.lejournaldetangernews.com/news5092.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.