.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Parse error: syntax error, unexpected 'text' (T_STRING) in /home/lejourna/public_html/handlers/shortcode_handler.php(173) : eval()'d code on line 10

Image

"لحم الضأن تأكله الكلاب"

"لحم الضأن تأكله الكلاب"

جريدة طنجة - محمد العطلاتي ( التسول )
الثلاثاء 14 مارس 2017 - 12:05:26

المصـادفات، التي تعـترض المرء في حياته اليومية العادية، كثيرة و متنوعة، لكنها تَـأخُذ، في أحــوال عديدة، سِمَة الغَـرابــة و تتَّشِحُ بهـالة الطـرافَـة، فيعتبرها الواحد مِنّا مجرد ملح طَعــام يــؤثث نُكهَـة حَيـاتنــا و يُتبِّــلُ مَوائدها المُبتَذَلَـة، لكنَّهـا، في حقيقة الأمر، تستحق، فوق اعتبارها كذلك، التفاتةً مُعتــبرة من دَارِسِـي الظواهر السُلوكية لِبَني الإنسان في مجتمعهم المتحول على الدَوام.

سبَب نُزول هذا الكَـلام أنّي كنتُ يَومــًا أسير على عجلة من أمري رُفقة أصحـابٍ لي لِقضاء مصالحَ لا تحتمل التأخير، فإذا بشاب بهِيِّ الطَّلعة، نقي الهندام يدفعُ أمامَه عربة يتوسطها طفلٌ حسَنُ الملامح، ممتلئ الخدّيْن، يعترض سبيلي بأدب، لا يخْفى على النَّبيه أنه محْضُ اصْطناعٍ و حذْلَقَة، قبل أن أُفاجأَ به سائلاً إيّاي مائة درهم ليبتاع هدية لطفله القابع في العربة !.

لعلّ الرَّاصدَ تاريخَ التسول في بلاد المغرب الأقصى، يقف مشدوها و هو يلحظ ما صار إليه هذا "النشاط الإستجدائي"، و كيف تطور ليصبح قطاعا ضخما يحقق رقم معاملات قد يفوقُ ما تحققه المقاولات الذاتية مجتمعة بكثير.

لقد صارَ التسول عندَنــا مهنــةً حقيقية و حِرْفة معتبرة، تُدِرُّ دُخولاً لا عِلْم لإدارة الجبايات بها، و هذا سِرَّا تعجز العين عن إدراكه و بلوغه، فــهو مشْهور و معلوم، و مُتاح للجمهور و العموم، إلا أن الجديد فيه يبدو جليا بغير التباس، واضحـا دون افْتِـحـاص. فأيْنما ولّيت وجهك استقبلتْك أسرابُ المتسولين ببشاشة، و حيْثما حللْتَ بادَرَتْكَ جُموعُ الشّحّاذين بالمَسْأَلَة، حتى حقَّ فيها قول الشاعر :

اتّخذت بيوتَ الله دارَ مَقـامها .... لكنْ تراها للقُرى مُرتادَة

لكنَّهُم، رغم اتساع قاعدتهم و تعدُّد جماعاتهم، لا يجتمعون على شكل أو طريقة و لا يتَّحـدون على مذهب أو سُنَّة، فقد أبـدع هؤلاء في اتخاذ الوسائل و اعتماد الحيَل، حتى إن المرء يقعُ في حــيرةٍ من أمْرِه و إشكالٍ في شأنه، فأنت ترى الصبيان و الولدان، و الكهول و الشبان، و الذكـور كما النِّسوان، و ذوي الأسمال المهترئة كما لابِســي الكِسوات الجميلة، حتى إنك لتنبهر من قدرة هؤلاء القوم على التحايل و الظهور بمظاهرَ مُختلفة و صُورٍ متناقضة، فذاك يصطنع اللباقة و تلك تمثِّلُ دوْرَ البراءة، و آخر يدَّعي وقـوعه في ورطة مُدبَّرة و تلك تزعُم إصابتها بعلَّة مُبْهمة، و ذاك يتحلى بأحسن زينة و يتعطَّرُ بأزْكى عِطْرٍ و رائحِة ليوقع في شباكه أسمن ضحيَّة !.

لعل الباحثَ في مسائل "المسألة" و المُنقِّبَ في أحْـوال الشِّحاذة و الفـاحص أهلَ هذه العادة الممنوعة و مُحْترفي هذه البِدْعة المُحرّمة، يقف على حقيقة الواقع المُضَلِّل و كيف يحيا هؤلاء المرتزقة خِفْيةً في بذخ لا يُعْرف، و كيـْف "ينْعَمُ" هؤلاء السَّفَلة بموائدَ لا تُحَـدُّ و لا تُوصَف، حتّى حقَّ فيهم قـولُ الشّاعـر:

وضَعوا الموائدَ كالجبالِ تخالُها ..... تكْفي لجيشٍ جاعَ فيه القادَة
وتكـــالبتْ أيدٍ يُرى بأكفهــا ..... أثــرُ النعيمِ ريـاضةً و ريـــادَة

لقد اختلط الحابل بالنابل، كما قالت العرب قديما، و لعل الوقت قد حان لينظر الناس في وسائل تمنع عنهم الوقوع في حيل المتسولين و ألاعيب الشحّاذين، ولعل إيتاء الصدقة، كفرض ديني و سنة محمودة، يستحسن أن تكون لمن لا يطلبها جهرا أو خِفْية، فهو الأولى بها لأن عزته تمنعه، وفي ذلك يصلح الاستشهاد بما نظمه الإمام الشافعي:

تموتُ الأسْدُ في الغابات جوعا .... و لحْمُ الضّأْن تأكُـلُه الكِلابُ ...





رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news5173.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.