.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

الوطن العربي لا يحتمل المزيد، ولا يتحمل المزيد...

الوطن العربي لا يحتمل المزيد، ولا يتحمل المزيد...

جريدة طنجة - مصطفى بديع السّوسي ( حصار العرب لبعض .. واستبدال العدو )
الخميس 06 يوليوز 2017 - 16:43:18
• كيف اختـزل تـاريـــخ طويل في مجرد لفظة يتيمة (المَذلّة) !؟
• هكذا انقلب الوضع فأصبحَ الجار الشّريك في الدّين واللّغة والتّاريخ والجغرافية عدواً، مقاطعاً، محاصراً، والعدو التّاريخي والأبدي جارا مقبولا وصديقا..

لم يصل العرب إلى درك أسفل ولا أحط من الدّرك الذي وصلوه الآن... فرغم ما تعرّضوا له من حروب صليبية، وغزوات ساحقة لوّنت مياه نهر دجلة بلون الدّم، وصنعت من كتب ومصنّفات أفذاذ المفكّرين والفلاسفة جسورا عائمة... ورغم نكبة 1948 ونكسة 1967 وابتلاع طغمة العصابات المدعومة آنذاك بوعد بلفور المشؤوم أراض عربية، وتدنيس أولى القبلتين.. ومهد المسيح، فإنّ التّاريخ يشهد على الاندحار المستمر والمفجع لأمة القرآن التي تتقاذف بالحجارة، وتتنابز بالألقاب في عزّ شهر الصيام والغفران... لم تعفها الليالي الخاشعات وتجلياتها من الكف عن إيذاء الآخرين، وهكذا أصبح الزمن غير الزمن... موغل في السواد والكراهية، وجهالة العشائرية والقبلية... فرغم تقدّم الزّمان ودوران عجلة التمدّن والحداثة، ورغم التصنيفات الحديثة الجديدة، لا زالت رؤوسنا وعمائمنا تتحرّك بإيحاء من أفكار ونوازع قبلية مقيتة هي أقرب إلى الجاهلية منها إلى الهدى والعرفان...

في ديارنا تعشش الغربان، وتنسج خيوط العنكبوت، ونلبس لكل يوم لبوسهٌ، ولكل مناسبة رداءها. ليس علينا من حرج ما دمنا نبيع أعراضنا في سوق النّخاسة، ونعرض شرفنا لكل غاصب طامع... ونمضع الثّوم بأفواه الآخرين... ونتعلّق بأذيال الكبار ملتمسين الحماية والدّعم لنواجه بعضنا البعض... ليس أغرب ولا أعجب من أن نحيا زمنا غير زماننا وهذا صحيح ! فالكل يستغرب أن يصبح العرب غير العرب ! وكأنّ جنسا بشريا كاملا جرى استبداله وتغييره ! وكان الجينات التي ركب وصنع بها الأوائل هي غير الجينات التي دخلت في تركيبة الأواخر!... ولأنّ هؤلاء ليسوا أحفاد أولئك... ورغم أنّ الفتنة رافقت وواكبت التّاريخ العربي والإسلامي إلاّ أنّ الشرف والشّهامة والخير ظلّت دماء تجري في شرايين الأمّة... وظلّ الجار للجار رديفا ومسعفا حتّى ظننا أنّه سيورثه... فظل الإيثار ولو كانت بهم خصاصة صفة لازمة... والكبرياء والإباء والعزّة مكرّمة لا محيد عنها...

فأين ماكان ممّا هو كائن؟... وكيف اختزل تاريخ طويل في مجرد لفظة يتيمة... (المذلّة)؟... التي ركبتنا من أسفل إلى أعلى حتّى غدت عصابات " الجاهانا " وسارقي حائط البراق وهو حائط المبكى لديهم... حتّى غدت العصابات التي كانت أشتاتاً، تاهت أربعين سنة ثمّ اجتمعت من كل الأصقاع... من غرب وشرق وبلاد عربية لنكوّن أساس دولة فسيفسائية من سفارديم واشنكاز ثمّ امتدت إلى الجولان فسحقت دروزها... قطرة وسط أمواج عربية ومع ذلك أحالتهم جميعـًا إلى زَبَـد يذهـب جفـــاءً... إلى هشيمٍ تدروهُ الـرّيــاح... اسرائيل التي كانت سَرطانــًا خَبيثــًا وسط خريطة الشّرق الأوسط وكانت منبـــوذة وسط جيرانها لأنّها محتلّة، وظالمة، ومعتدية، وناهبة، ومزوّرة للتّاريخ، أصبحت مقبولة بل وحليفة... وهكذا انقلب الوضع فأصبحت الجار الشّريك في الدّين واللّغة والتّاريخ والجغرافية عدواً، مقاطعاً، محاصراً، والعدو التّاريخي والأبدي للأمّة جارا مقبولا، وصديقاً حتّى! مخطّطاتهم، وتخطيطاتهم، وموانعهم، واستراتيجياتهم لم تَعُد تُعتبر اسرائيل هدفاً ولا خطراً، فأي خزي أشد من هذا الخزي.

استبدلوا اسرائيل بإيران... واستعانوا بأمريكا خالقة القاعدة في أفغانستان، وربيبة اسرائيل لمواجهة إيران، وانقلبوا على الجيران... وأعدوا لائحة مطالب هي التّدخل بعينه ونفسه في شؤون بلد مستقل ذي سيادة. وفرضوا عليه إغلاق محطته الإعلامية، وتقليص تمثيلية دولة مجاورة مسلمة... وطرد من لا يرضونه مقيماً أو لاجئاً أو ضيفاً. ثمّ أعلنوا ألا مناقشة في شأن هذه المطالب... وهو منطق القوة... ومنطق المنتصر... في زوبعة لا غالب فيها ولا مغلوب... ولكنّها محاولة ليّ الذّراع وفرض الزّعامة في وسط قبائلي لم يتخل عن عادة الزّعامة وشيخ القبيلة.

ولكن يبدو أنّ هذا المنطق... وتفشي المظالم وبؤر الدم التي غمرت حياة العرب أصبحت ظاهرة عادة عمت كل الأرض العربية فليس هناك شبر لم تمسّه الرياح الهوجاء، ولم تنله الحجارة المتطايرة حتّى لعب الأطفال استبدلوا عرائسها وسياراتها وحيواناتها التي تتحرك بالأزرار والبطارية بالرشاشات، والمدافع والشهب الاصطناعية، والطائرات الحربية... وفي كل درب أو زقاق أوحي عربي يمكن أن يلقاك صبي أو طفل يحمل رشاشاً أو مدفعاً يوجهه إلى وجهك، ويضغط على زر لتنطلق أصواتٌ كالرّصاص وهو منتش لأنّه قتل شخصاً أو أشخاصاً... أي أنّنا نقلنا عدوانية الكبار إلى الصّغار... أو أنّّه انعكاس لا إرادي لفعل يراه الصّغار كل لحظة في محيطهم الموبوء، وفي مدنهم المنهارة... فالخراب عم كل الأرض العربية... والأطلال تنوء بحملها... والتّراب مدفن لمن لا مدفن له... والدّماء تسيل أنهاراً... والجثث تشير لعصابات تغوّلت، وفقدت آدميتها... فرحنا في الأعياد والمناسبات فرح طفولي مفتعل... فلم يعد هناك مجال للفرح وسط ركام الحزن الثّقيل.

ولأنّنا جسد واحد« إذا اشتكى منه عُضـو تَداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى» (حديث نبوي) فلا يمكننا أن ننأى بأنفسنا عَمّـــا يقع في الجهة الأخرى بدعوى أنّنا غير معنيين أو لبعد الشّقة، وبعد الجغرافية... نحن أمّة واحدة رغم سعي البعض للتشتيت والتشرذم والتّفرقة... نحن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً.

فإذا عطس أحدهم في المشرق أصبنا بالزّكام في المغرب... والبعض منّا وفينا يحاولون زعزعة استقرارنا وأمننا، وطمأنينتنا، فيغرسون في أرضنا وفضائنا نعرات قبلية وشعارات وأعلام كالخرق البالية تحمل خطوطاً متداخلة ملوّنة، أو شمساً أخذوها من الآخرين، أو خرقًا كسواد اللّيل وكلّها جاهلية عمياء، وقبلية غريبة اللّسان يلوح بها شباب غر ينجر كالقطيع أحد محرّكيه فار، ومهرب، وخائن. وانتهازي الألسنة، والصّفات، والألقاب، والهمجيات، والحجارة، والشّعارات التي لا تكرّس للحق، والحرية، والوحدة، والأمن، والأمان، مجرد عنتريات من الجاهلية الأولى... ولا تصنع البطولات بالهمجية... ولا الأبطال بكمّية الحجارة التي يقذفونها على رؤوس الأبرياء كانوا حرّاس أمن أو مواطنين عاديين فكلّهم في الآخر مواطنون... ولا بعدد الممتلكات العمومية أو الخاصّة التي يخربون فإنّهم يلحقون الأذى ببلادهم ومواطنيهم، ويسيئون إلى سمعتهم وسمعة وطنهم.

والوطن العربي لا يحتمل المزيد... ولا يتحمّل المزيد... فلنترك بعض الهواء النّقيّ الطّاهر يسري في أحشائنا... ولنترك فضاءات جميلة خالية من رائحة النّار والحديد... إلاّ حديد الصّناعات التي تنتج وتشغّل وتسير بنا في طريق النّمو والتّقدّم والازدهار... ..





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news5517.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.