.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

إنّما العلم ما ينفع النّاس... أمّا الزبد فيذهب جفاء

إنّما العلم ما ينفع النّاس... أمّا الزبد فيذهب جفاء

جريدة طنجة - مصطفى بديع السّوسي ( العلم )
الخميس 06 يوليوز 2017 - 18:14:09
• كانت فارس رافدا من روافد العلم أغنى التّراث الإسلامي العربي...
- أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس (البخاري).

عندما نكتب فإنّنا نكتب للّذين يفهمون، أمّا الذين لا يفهمون فهم صم، بكم، عمي فهم لا يعقلون. أمامهم البحر الأحمر ومن ورائهم البحر الأســود. ظُلُمـــات بعضُها فوق بعض... لذلك كانت أول كلمة أنزلت للنّاس « إقرأ » فشرّ الـدواب من لا يقرأ !...

" وإنّما يخشى الله من عبادهِ العلماء " فكلّما زاد المرء علما زادت أو ازدادت معرفته بالله تعالى وقدرته الكامنة في قوله : « كن فيكون »، وكلّما انغلق عقله، ووضع دونه قفل صدئ زاد بعده عن الله وزاد جهله، وزادت حماقاته فهو كالأنعام بل هو أضل.

وكان دعاء نبي الله سليمان عليه السّلام : " ربّي زدني علماً ".
بينما قال كليم الله موسى عليه السّلام :" ربّي اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ".

والعلم يقود إلى المعرفة، ،المعرفة تؤدّي إلى الحقيقة وإلى الأخلاق. فلا معرفة بدون أخلاق. وسقراط كان يقول : " إنّ المعرفة الصّحيحة تدفع إلى الأخلاق المستقيمة ".

وسئل حسن البصري عن الرجل يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب فقال : " ما أعرف هذا من أخلاق المؤمنين ".
ومن ذلك قوله أيضا :" إنّ الرجل إذا طلب القرآن والعلم لم يلبث أن يرى ذلك في خشوعه وزهده وحكمه وتواضعه ".

والتاريخ حافل بحكايا أئمّة ورجال أفنوا حياتهم من أجل العلم، شدوا الرّحال ليتلقّوه عن أصوله ومن منابعه... لم يستقلّوا طائرات ولاسفن أو مراكب. ومع ذلك غامروا وجاهدوا. والكثيرون قدموا حياتهم فداءً للعلم والمعرفة والحقيقة عندما تواجهوا بعقول مكلسة، ورؤرس متحجّرة في قوالب جامدة لا تتحرّك ولا تريد لغيرها أن يتحرّك...كان العلم فريضة وكان له ضريبة... خصوصا في زمن الأسلاف،حيث الطّوائف، والنّزعات، والنّظريات، والتّيارات الفكرية والدّينية المتضاربة... وكانت فارس رافداً هامّاً من روافد العلم أغنى التّراث الإسلامي العربي فأفذاذ توزّعوا على شتّى مجالات العلم والمعرفة، بل كان فيهم من جمع علوما ومعارف شتّى في جعبة واحدة. وفي بلاد خوارزم وغربها وحدها أنشئت مدارس إسلامية شتّى نبغ فيها علماء كبار أمثال أبي الرّيحان البيروني صاحب الفلسفة والتّاريخ، والخوارزمي صاحب الرياضيات وبديع الزمان الهمداني صاحب المقامات، والشيرازي في الفقه وفخر الدين الرازي الذي خلّف مائتي كتاب ،كان يجمع إلى جانب الفقه علم العقائد والفلسفة وعلم اللغة، كما قام بتفسير القرآن وجمع في هذا التّفسير بين دقّة التّحقيق اللغوي لمعاني العبارات القرآنية السّامية، ونقل فيه ما قاله علماء اللغة في آياته القدسية، مع تفصيل كامل لآيات الأحكام الفقهية. وكل آية يجري في ظلها اختلاف المعتزلة مع الأشعريين، أو الفلاسفة مع الاعتقاديين، بين أوجه النّظر المختلفة تبيين العارف المدرك المتعرف لكل أوجه الاستدلال.

الغريب في الأمر أنني وجدت للإمام الجليل الفقيه أبو الحسن الماوردي (م364-450 ه/974-1058 م) حيث كانت الدولة الاسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجري مضطربة، وانحلت إلى دويلات وحوزات ملوك وكأنها ومضة لشر مقبل نعيشه حاليا حيث استعان المعتصم في أول القرن الثالث الهجري بالأتراك الذين جلبهم من التركستان ولكنهم تحكموا أو استبدلوا وقتلوا من خالفهم وكان أولهم المتوكل.

الغريب كما قلت أنني وجدت في كتاب " أدب الدنيا والدين " للماواردي معالجة لآفات المجتمع. واستنبط علاجا اتخذ عناصر دوائه من الكتاب والسنّة، وحكم الفرس، وأشعار العرب. ووصل إلى قمة التحليل الخلقي فيذكر مثلا علاج النّفس (وهنا مربط الفرس) هذا العلاج أيكون بالإرهاب والتّخويف أم يكون بالتأليف والتّرغيب، ويذكر أثر كل منهما في النّفس، ويشرح الاتجاهين، وينتهي إلى أنّه لا بد من عنصري الترغيب في حسنى عاقبة الخير.
والترهيب من سوء العاقبة. وهكذا تكلم الأقدمون على الترهيب وسوء عاقبته قبل أن تحل طلعة ترامب.

ومن الأمثلة لعزة نفس العلماء الأشراف أن طلب أمير بخارى من الإمام البخاري وهو أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة، كان من أسرة مجوسية في أصلها. طلب منه الأمير أن يذهب إليه ليقرأ له كتاب الجامع الصحيح والتاريخ ليسمع منه. فقال البخاري لمن أرسله : " أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك حاجة، فاحضرني في مسجدي أو في داري. " فتلطف الأمير، وطلب إليه أن يحضر أولاده إلى البخاري في مجلس لا يحضره أحد. فرد العالم المعتز بعزة الله : " لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم ". أي أنّه يقدم العلم للناس على سواء . فحرض الأمير أذلاء العلماء...

وهكذا عاش البخاري عزيزاً، ومات معززاً مكرّماً في ليلة عيد الفطر من سنة 252ه. وخلّفه في خراسان أبي عيسى الترمذي ولعل القليل من يعرف بأن الترمذي كان ضريراً. ومع ذلك كان عالماً فذاً. وليس معنى هذا أنّه ولد لا يبصر ولم ير النّور قط. ولكن الحقيقة أنّه رأى النّور، وكتب وألّف بعد أن طاف في البلاد ليجمع الرّوايات الصحيحة من أفواه رواتها من أهل الصدق والأمانة.

وللحق والحقيقة فالعلم كمعرفة وأخلاق يجرنا إلى بحر بلا شاطئ... ولعلنا نوفي الموضوع حقّه في وقت انعدم فيه العلم والأخلاق. لأنّه زمن التّوحّش والإيغال في الشّر...
ولا نعني هنا علماً يصنع القنابل ومهلّكات البشر، فهذا ليس علماً ولو أصبح ضرورة يفرضها الدفاع عن النفس، وهو مشروع.

إنّما العلم ما ينفع النّاس، أمّا الزبد فيذهب جفاءً .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news5519.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.