.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

طنجة: ظاهرة التسول في شهر الإصطياف نصب واحتيال.. واغتناء

طنجة: ظاهرة التسول في شهر الإصطياف نصب واحتيال.. واغتناء

الأربعاء 12 يوليوز 2017 - 15:05:39

هناء مهدي : " الله يرحم بها الوالدين. شي صدقة في سبيل الله. عافاكم شي خبزة أنا ميت بالجوع. أنا مريض ومعندي باش نشري الدوا..."
عبارات منتقات بدقة تسمعها أينما وَلَيت على الشوارع الرئيسة والحدائق، أمام المساجد، بـأبـواب المقاهي والمطـاعـم و الحـافـــلات ...

قوافل من المتسولين تَحُط الـرحـال بطنجة، وخُصـوصــًا في موسم الإصطياف. يتمَـركـزون في جُـل النُقَط الـرئيسـة بــــالمدينة. قرب الفنادق والفضاءات السياحية، وبأبواب مطاعم ومقاهي مشهورة. يتسكعون في الشوارع، ويلزمون على الخصوص أماكن مختارة بعناية، راس المصلى والمدينة القديمة والبوليبار و كورنيش طنجة. يؤثتون لصورة سلبية عن المدينة أمام زوار متوافدون من الخارج.

تختلف دوافع الإستجداء من متسول لآخر. هناك متسولون لم يجدوا عن التسول بديلا، أثقلهم الإملاق والعوز، وخانتهم سبل الإسترزاق المشروعة، بسبب عجز صحي أو عاهة مستديمة أوتقدم في السن. وهناك متسولون امتهنوها حرفة مذرة للدخل، ووسيلة للاستغناء، فابتدعوا لها طرائقا وحيلا مبتكرة.

طاقات شابة واستثمار في التسول
يتوزع المتسولون على المدارات الآهلة بالمارة، يقتفون السبل ويتعقبون السياح الأجانب والمغاربة، ويتفنن المتسول باحترافية ومهارة في اختيار الدور الأكثر تماهيا مع شخصيته، يلبس جبة البئيس المعوز الذي ظلمه المجتمع، وسد عليه باب الرزق، وينتقي بدقة الصيغ المناسبة للدور الذي يلعبه، فيثقن فن إثارة العواطف الرحيمة، وينجح في استذرار الجيوب الكريمة.

من أحدث فنون التسول مهارة، تمثيل دور المعاق أوالأعمى، حيث تستثمر طاقات شابة من المتسولين مهاراتها في احتيال الحيل حتى تنهال عليها الصدقات، يطوفون في الشوارع بعين عوراء ورجل كسحاء، يثقنون طي الرجل أو الذراع ببراعة متناهية.

أحيانا يلبس المتسول جبة الرجل المحترم، يستوقف المارة بمنتهى الأدب، ثم لا يلبث يسرد حكاية بليغة يختمها بكلمات استعطاء للعون، والناس يصدقونه ويستجيبون. الغريب أنه يصادفهم مرة أخرى في مكان آخر، ثم يعاود القصة إياها ناسيا تلك الوجوه التي خدعها من قبل.

يحكي احمد رجل تعليم بمدينة طنجة: "جاءني بلباس أنيق ولسان مثقف وخدعني... ادعى أنه جاء من مدينة وزان رفقة أمه المريضة والقابعة بإحدى مصحات طنجة ، وأنه تعرض للنصب بالأمس ليلا بعدما قصد صيدلية لشراء دواء مستعجل".يضيف أحمد متحسرا" أحسست بصدقه خصوصا بعدما عرفني بهويته واسم المصحة وعنوانه في وزان. استقرضني بضعا من المال فأقرضته على التو.
أخيرا تبينت أن كل الضمانات والأسماء كانت مجرد خدعة محبوكة بمهارة" .

نساء للإستجداء وأطفال للكراء
تلبس النساء جبة الأرملة الثكلى، تفترشن الأرض وتعمرن المكان نفسه، شارع مكسيك وراس المصلى والكورنيش... يصطحبن رضعا وأطفالا في سن التمدرس، بأثواب رثة ورجل حافية ، يتعلمون دروسا من الشوارع ،ويكتسبون مهارات في التسول والإستجداء. وكلما اقتربت من هؤلاء النسوة كررن الأسطوانة نفسها بصوت متباك : "عفاكم المحسنين لما تعاونو هاد ليتامى" ومنهن من يلبسن الأبيض في إشارة الى ترمل حديث. ويتمسكن باللون نفسه بعد أن يكتشفن أهمية توظيف اللون لقضاء الغرض.

"عفاك الله يخليلك هاد الوريدة ؛ الله ينجح لك وليدات؛ الله يرحم لك الواليدة ؛ الله يعطيك الصحيحة "
بنات في سن التمدرس يحفظن جيدا قواعد اللعبة، ويتفنن في اختيار العبارات المناسبة بذكاء، مراعين السن والجنس والمكان....

يتوزع الأطفال على الشوارع، يعترضون سبل المارة، ويلاحقون السيارات عند إشارات المرور. يتفننون في ممارسة المهنة بطرق شتى. وينتشرون أمام المقاهي والمطاعم. يدعون الجوع، أو يوزعون أوراقا تحكي قصصا وهمية. وكل وشطارته في الإقناع.

التسول بالأطفال ظاهرة ليست بالجديدة، ولكن المستجد فيها أنها أصبحت تجارة مذرة للربح والاستغناء. لذلك لا يتوانى المتسولون من استئجار الرضع والأطفال. وتتباين سومة الإيجار بتباين السن والعلة والمهارة، فالطفل الكسيح والمصاب بإحدى العاهات المستديمة تكون سومة إيجاره أكثر ارتفاعا، كذلك الطفل الماهر بحيل الإستجداء، أو القادر على التظاهر بالشلل، أوبمرض مثيرللشفقة و التقزز، كذاك الذي يجفل من فمه لعابا أبيضا بلافتور.

متسولون أغنياء
"حنا كنعولو على كتافنا كنخدمو فالميناج من دار لدار وكول نهار.. ومكقدناش المصروف، وهما كيضربوها بتربيعة ويعملو الديور" تقول خديجة منظفة في إحدى المقاهي بطنجة ، تضيف بامتعاض: "كيسكنو معانا فالدرب، عندهم عمارات في المدينة وكاريين هنا بيت واحد ليلوم وولادوم...كيجيو بليل ينعسو وبالنهار غابرين واكلين شاربين برا"

احتراف التسول هو تجارة لا تبور، مذرة للمال الوفير ومصدر لاستغناء سريع ، وحسب مصدر مطلع فقد جرى اعتقال متسول بمدينة طنجة بحوزته مبلغ مالي مهم قدر في واحد وخمسين ألف درهم. وتشير إحدى التقارير الصادرة عن وزارة الأسرة والتضامن أنه ثم رصد مبالغ مالية مهمة عند عدد من المتسولين ؛ جاء في التقرير أن متسولا عمره 70 عاما ثم ضبطه وفي حوزته حوالي16 مليون سنتيم ، تمكن من جمعها في أربع سنوات ، وهو غير متزوج، ويقطن في منزل يملكه، وأضاف التقرير أن متسولة عمرها 68 سنة ظلت تتفادى دخول حمام شعبي للاستحمام خوفا من سرقة أموالها ومجوهراتها المتجمعة من التسول ،ضبط عندها حوالي 12 مليون سنتيم نقدا، و6 أساور من الذهب تمكنت من تحصيلها من التسول في ظرف أربع سنوات وتملك هذه المتسولة عمارة تكتريها للسكان، ومخزنا تكتريه لعامل يتخذه محلا لإصلاح السيارات.

شبكات منظمة، استقطاب واستغلال
تتفاقم ظاهرة التسول بطنجة كل سنة رغم الجهود الأمنية لتخليص المدينة من هذه الآفة الخطيرة. يتوافد المتسولون من كل أنحاء المغرب ناهيك عن الأفارقة واللاجئون السوريون الذين اضطرتهم الكروب للإستجداء، ينضاف إليهم المتشردون الذين يقتاتون على جنبات المطاعم والمدمنون الذين يتسولون أمام دكاكين الخمور والمقاهي والمطاعم.

يقول أحد رجال الأمن بالمدينة. "تواثرت حملات التطهير بالمدينة، وتم توقيف العشرات،ولم نأل جهدا لتخليص المدينة من هؤلاء، لكنهم يولدون كل يوم بالعشرات ، هناك عصابات متخصصة تستقطبهم بلاهوادة، فقد أضحت المدينة جنة المتسولين ".

يعمل المتسولون في طنجة ضمن شبكة منظمة تتكلف بإقامتهم بالمدينة ، يتم تخصيص بيوت للوافدين الجدد بالمدينة القديمة يعمد زعيمهم إلى اكتراءها ، ويتكلف بتوزيعهم على البولفار وشارع الحرية والبلايا والمرصى والقصبة...

التسول بين الشريعة والقانون
شدد على الفقه على تكريه احتراف التسول، واتفق على تحريم وتجريم التسول المقرون بالنصب والاحتيال والأكاذيب. يقول الدكتور أحمد الريسوني (عضو مؤسس ونائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ) : "الآيات القرآنية والأحاديث النبوية اقتضت التنفير الشديد من التسول، إلا إذا كان الإنسان محتاجا حقيقة ولا حل له، فلا لوم عليه، ويكون التسول مباحا واللوم على من قصروا في إعطائه حقه، لأن الله تعالى يقول ( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).

أما من اختار التسول حرفة فحكمها الكراهة الشديدة، والتلاعب والكذب والتضليل واستعمال الأطفال وما الى ذلك فكلها أعمال محرمة".

ويذهب القانون المغربي مذهب الفقه في التحريم والتجريم، فقد خصص للتسول الفصول 326 و327 و328 من القانون الجنائي الذي أتبع احتراف التسول عقوبة زجرية.

ينص الفصل 326: (يعاقب بالحبس من شهر الى ستة أشهر من كانت لديه وسائل التعيش اوكان بوسعه الحصول عليها بالعمل أو بأية وسيلة مشروعة ولكنه تعود ممارسة التسول في أي مكان كان).

وتشدد العقوبة إذا اقترن التسول باستعمال التهديد أو التظاهر بالمرض او ادعاء عاهة وكذلك التعود على استصحاب طفل صغير أو أكثر من غير فروعه؛ وشدد العقوبة أيضا في الفصل 328 "عندما يستخدم في التسول، صراحة أو تحت ستار مهنة أو حرفة ما، أطفالا يقل سنهم عن ثلاثة عشر عاما" ولو كانوا من الفروع...





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news5545.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.