.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

هكذا كانوا و هكذا أصبحوا و هكذا نحن ... تفاصيل الحياة بين الأمس و اليوم

هكذا كانوا و هكذا أصبحوا و هكذا نحن ... تفاصيل الحياة بين الأمس و اليوم

جريدة طنجة - لمياء السلاوي ( "المدرسة" )
الأربعــاء 10 يناير 2018 - 11:03:27

من المؤسف أن كثيرا من الناس لايعلمون الفرق بين الأمس ، خاصة من هم في الأربعين عاما فما دون، صحيح كان فقرهم أكبر، والجهل الذي يحيط بهم أعمق، لكن مع ذلك كانت أخلاقهم أقل سوءا مما هي عليه الآن، وكان سلوكهم أرقى بكثيرمن سلوكنا هذه الأيام، كانت نفوسهم أعز علينا من بطونهم، وكانت ثقتهم بأنفسهم تحول بينهم وبين هذا الهبوط والتردي والتشرذم، والكذب والنفاق الذي نراه ماثلا أمام أعيننا.

لوعدنا للماضي والماضي القريب، ومن قاعدة الطمأنينة لكان خير شاهد هي تلك الأيام والليالي التي عاشوها الخالية من القلق والهموم والصراعات من حولهم التي سلبت مهم لذيذ المنام.

في الأربعينات من القرن الماضي، وقبل أن يبدؤوا التعليم في المدارس العمومية، كانت الدراسة مقتصرة على تعليم القرآن الكريم واللغة العربية ومبادئ الحساب، وكان يقام احتفال عند اإتمام الطالب دراسة القرآن الكريم ” الختمة”.

يلبسون الملابس البيض و أمامهم مجموعة تحمل الصواني من الشموع والحلوى، يتقدمهم الطبال ويسيرون على شكل مسيرة في الحي الذي يسكنون فيه، إضافة إلى وليمة لكل أولاد الحي المتخرجين، وفي حينها كان الأولاد يتلقون تعليمهم عند "الفقيه"، أمام مبلغ مالي متواضع كل أسبوع، و له مبلغ آخر متفق عليه عندما يختم الطالب القرآن، كما كان للفقيه عيدية أو ما يسمى ب (الفطرة و زكاة الفطر)، وكان يستخدم أسلوب الضرب والتهديد والوعيد الترهيب الطلاب.

كانوا يكتبون بخط واضح وجميل، أفضل بكثير من طلاب الجامعات في الوقت الحاض، وعند بلوغهم السادسة من العمر انتقلوا إلى الدرسة في المدارس العمومية، حيث بدأ التعليم الجديد بمناهج أكثر موضوعية، بواسطة المعلمين و المعلمات، وكانت الدراسة مستمرة طوال العام دون انقطاع، سوى خمسة عشر يوما خلال أيام الربيع، وأخرى نهاية العام الدراسي، ليست مثل العطل في الوقت الحاض، والتي تبلغ أكثر من 120 يوم عطلة في السنة، تؤدي الى تدهور وإرباك المسيرة التربوية، و كانوا يذهبون إلى المدرسة بدوام مسائي آخر لمدة ساعتين يوميا بحيث تكون مجموع الدروس ستة دروس في اليوم، المدارس اليوم تشكو الشواغر وكثرة إجازات الهيئات التعليمية وغيابات التلاميذ.

كان الحرص كبيرا جدا من المعلم او المعلمة على التلاميذ وإيصال المادة بيُسر، متابعة نظافة التلميذ وغذائه من خلال وجبات غذائية توزع عليهم صباح كل يوم في المدرسة، حليب.. وبسكويت.. ، وتوزع عليهم معونة الشتاء في كل عام، عبارة عن جاكيت، بنطلون قميص أبيض، وحذاء، و كان ذلك بمثابة مساعدة للطبقة الفقيرة.
قبل دخولهم للمدرسة، لم يكونوا يعرفون معنى القلق، همومهم محصورة في يومهم وعندما تشرق شمس يوم جديد تتلاشى عثرات هموم الأمس، كانت سطوحهم متلاصقة، بيوت بسيطة، ينامون مع أطفال جيرانهم وأطفالهم ينامون عندهم، يتشاركون الأكل و لا يعرفون غير المودة، والكلمة الطيبة التي ينادون بها الأكبر منهم سنا، يهابون المعلم ويحترمونه ويهربون بعيدا منه عندما يرونه في الشارع العام أو جالسا في مقهى، ولكن عندما دخل عليهم العالم الجديد، وتوسعت مدارك الإنسان، وتقدم في علمه وعلومه في الإتصالات والمواصلات والإنترنت وتوسع الجامعات والكليات، همز شيطان الإنس في ضمائر الحاقدين، أن ازرعوا الفتن بين الضعفاء ليخلو لهم سواد الأرض من جمهرة الأبرياء.

إثارة الفتن
طرق إثارة الفتن تشعبت من بين فتحات الغفلة، وسقطت فيها قلوب غضة، امتلأت بنيران الحقد والكراهية، بعد ان استجمعت قواها من وهن المبادئ، معتقدة قدرتها على قلب موازين الكون، تسير على خطى الغدر تنبش العفن، عفن الهموم من بين أنقاض الحياة.

كانوا في الخمسينات، يتحدثون عن الصدق والنظافة والإيمان وحب الوطن، يتحدثون الآن في مدارسهم، وفي ما بينهم عن العشائرية والحزبية ومشاهدة فديوهات فاضحة للآخر على الإنترنت و المحطات الفضائية، يفتقرون للصدق والنظافة والتعلم، كسالى حاقدون البعض على البعض الآخر، بحيث يصل حد الشجار والضرب بالأسلحة الجارحة التي يحملونها معهم الى المدرسة في حقائبهم، نتيجة ضعف إدارات الكثير من المدارس وكذلك ضعف المراقبة العائلية.

لم تكن المشاهد فيما مضى توحي بتغيرات الحياة، لأنهم تشبعوا بصفاء الأخوة ولم يكونوا يتوجسون خيفة من وهج الحياة لامتلاكهم قلوباً مطمئنة، لكن صيحات البطش من حولهم، نشرت سواداً تسلل بعضه على موائد فكرهم، هموم تواترت عليهم، استوردوها من خارج معتقدهم ومبادئهم، قسمتهم الى فريقين أو أكثر.

كان الساسة والكبار يختلفون في الآراء والمواقف، ولكن بنزاهة وعلم وتَـرَفـُع، وكــان أصحــاب الإبداعات في الفن والأدب والشعر والصحافة، يبدعون كل على طريقته وأسلوبه، وكانت الصراعات السياسية بوعي وانتماء ووطنية، وكانت سمعة الوطن وتاريخة وثوابته، خطوط حمراء لاتــــجاوز فيها ولا تشويه.


كان المجتمع المغربي محكوم بسلوكيات رائعة وناضجة، إبتداء بالخلافات في الآراء والمواقف، وانتهاء بما يقال في وسائل الاعلام، وكان الضمير يحكم كل شيئ، لأنه يتجرد من كل نوازع المصالح والغايات، كانت المعارك تدور على صفحات الجرائد، ولكنها معارك أفكار وليست صراعات على صفقة او لحساب رجل أعمال أو أبواقا للسلطة، وليس مثلما يحصل على صفحات التواصل الإجتماعي اليوم.

إستجداء علني
كان الناس يستجدون على استحيـاء، فصـاروا اليـوم يستجدون عَلَنــًا، كان هناك عيب أن يستجدي الأطفال، فصار الأطفال اليوم يزاحمون الشيـوخ والمعـوقين والمعـوزين في مد أيديهم طَلَبــًا للمـال.
كانت المساجد ليست بها فرق، وكان الأئمة لا يكفرون أحدا و لا يسبون أحدا، بل كانوا في حب ووفاق، واليوم تنابز الألقاب والسب والشتم والتكفير من على المنابر.

وكــان مجلس النواب، ومجلس الوزراء يمثل كل الشعب المغربي وعضو المجلس لايتحدث بمناطقية ولا حزبية بل يتحدث باسم الشعب والوطن.
في حين أصبح نواب الشعب والوزراء اليوم، يمثلون طوائفهم وأحزابهم ولا يمثلون الشعب، يتحدثون بتحيز مقيت يفرق ولايوحد دون حياء أو خجل.

الشهادات العلمية بالأمس كانوا يحصل عليها من جدّ واجتهد ونالها بموضوعها الجديد، أطروحة أو رسالة من جامعات مرموقة، أما اليوم، هناك أشخاص مهمون يشار لهم بالبنان في هذا المجتمع المنكوب حصلوا عليها دون تعب أو فتح مرجع او كتاب ليجنون من ورائها الأموال والمكاسب والعلاوات الوظيفية التي لا تتناسب مع هذه الدرجة العلمية( غير المتعوب عليها).

بالأمس مدن نظيفة راقية يسودها الأمن والإستقرار والمحبة والألفة بين الناس، واليوم، أصبحت مدنا مزدحمة بالعشوائيات ومكتظة بالأحقاد والإحتقان، في الأمس، كان البيع بكلمة عهد بين صاحب السلعة و مشتريها، أما اليوم، فمحاكم وجيش من المحامين وقاتل ومقتول ونزاعات لاسترجاع الحقوق المالية أو نصـفها على أقل تقدير، بالأمس، كانت الخلافات خلف أبواب موصدة، بنوع من الكتمان والسرية، أما اليوم، هذه الخلافات في أروقة المحاكم، بل اعتداء البعض على الآخر بالسب والشتم والضرب داخل المحاكم.

عادات الزواج بالأمس كانت تتم عبر الأهل والمعارف و الجيران، أساسها البساطة والتواضع، وعدم المبالغة سواء بإقامة الحفل في المنزل أو نصب خيمة في الشارع أو الزقاق، وتقديم الطعام المحضر في المنزل ودعوة الفرق الأصيلة لتقديم الأغاني الشعبية و الثراتية، وأبناء الحي والأقارب والأصدقاء يشاركون بكل ألفة ومودة، مشاركين ومهنئين فرحين دون تكاليف تثقل كاهل العريس أو العروس كثيرا، أما اليوم فتتم على أساس التفاخر والتباهي بالمظاهر، وإقامة الحفل في القاعات والفنادق الراقية، ومتعهدو الحفلات يلتزمون بكل التفاصيل والحيثيات، إضافة الى شروط السكن و الصداق ومقدار الذهب والأثاث،.. إلخ، و هذاما جعل الشباب من الإناث و الذكور يعزفون عن الزواج نهائيا أو يتأخرون جدا لإتمامه.

هكذا كانت حياتهم بالأمس وهمومهم اليوم.. هكذا أصبحنا جميعنا نعيش صراعات نفسية بدواخلنا، بين قليل من الزمن الجميل و كثير من العشوائية و الزمن الأليم،.. هكذا كانوا و هكذا نحن اليوم..

أكتب لرفع اللبس عن البعض (قلت البعض..) أكتب لأني اشتقت كثيرا لذاك العالم الأبيض النقي، حيث البساطة تغطي جنبات الحياة..وحيث نوافذ الأمل تنبعث من كل أفق..أكتب لأن الواقع اليوم ليس بخير..صدقوني، ..ليس بخير حين تغيب الإبتسامة عن وجوه الصغار كما الكبار..وحين يغيب السلام والأمن في الشوارع وفي المتجمعات..ليس بخير حين تفتقد مجتمعاتنا لقيم العطاء والكرم والسخاء.. ليس بخير أبدا حين يغيب الضمير الإنساني ..وتغيب القيم المثلى للمجتمع .

لأجل هذا كتبت ..!




رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://lejournaldetangernews.com/news6128.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.