.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

شهادات أمهات عازبات .. عنف نفسي و جسدي و اقتصادي يمارسه المجتمع الذكوري على "القوارير"...

شهادات أمهات عازبات .. عنف نفسي و جسدي و اقتصادي يمارسه المجتمع الذكوري على "القوارير"...

جريدة طنجة - إعداد : لميـاء السلاوي ( "أمهات عـازبـات" )
الجمعة 19 ينــاير 2018 - 10:30:47
"ماذا يعني أن أكونَ أمـًا عـازبـة فـي المغـرب؟ "، تصمت، وتنصت إلى نفسها، ثم تذرف دمعة حـارقة، فتَمسحها، لتضيف بصـوت مخنـوق منتحب : "مـأسـاة ومعـانـاة لا تنتهـي، أتعَرَّض لكـافة أشكـال العنف والتمييز في الحي والشارع والعمل والإدارة، ولمجرد أن يعرف أحدهم قصتي، يخيل إليه أنني فريسة سهلة فيتحرش بي جنسيا، يصيبني الأرق والقلق وأكتئب أياما وأسابيع، فأفكر في الإنتحار، قبل أن أعاود النهوض، نادرون من يساندونني، وعلى كل، أنـا أقـاوم أحكـامــًا متجددة بالإدانة عن خطأ لست الوحيدة المســؤولة عنه"..

تدعى فاطمة، وعمرها 49 سنة، درست بعد الباكلوريا في الجامعة سنتين في تخصص القانون العام، ومنذ 17 سنة وهي أم عازبة لإبن يدرس حاليا في الثانوية، وتعد أول واحدة اعتلت كرسي البوح أمامنا، ولم تختلف حيثيات سقوط فاطمة، المولودة في الجنوب وسط أسرة ثرية ومحافظة، في خندق نار ملتهبة، حطبها "النفاق والفصام الإجتماعي للمغاربة" مدعوما بـ"العنف القانوني"، ومعاناتها، وأمراضها، وخلاصاتها، مع ما باحت به مريم، من مواليد 1993، والتي درست بدورها في كلية الحقوق، ثم معهد خاص للإعلاميات، فمدرسة للممرضين، وعائشة، التي رأت النور في 1997، وانقطعت عن الدراسة في الثالثة إعدادي، وخديجة (28 سنة)، التي كانت عاملة في مصنع للنسيج.

وتشكل الحالات الأربع، مجرد شخصيات فريدة في هذا المتن، لأن المعطيات المتوفرة، تشير إلى أن مجموعهن في المغرب، وإلى غاية 2016، لا يقل عن 32200 أم عازبة تم إحصاؤهن قريبا من قبل جمعية مدنية، 60 % منهن تقل أعمارهن عن 26 سنة، ومعظمهن يعملن في مهن غير منظمة، من قبيل العمل المنزلي، ولهن مستوى تعليمي متدن، و65 % أنجبن مرة واحدة، مقابل 14 % مرتين، و10 % ثلاث مرات، و11 % أربـع مرات أو أكثر.

وتوجد أرقام أخرى لجمعية التضامن النسائي، التي تقودها عائشة الشنا، تفيد أن العدد أكبر بكثير، ويصل إلى 220 ألف أم عازبة على الأقل، ويشهد المغرب يوميا إنجاب 24 طفلا خارج إطار الزواج.

"خطيئة العشق"
أغلب القصص تبدأ بلقاء عابر ينتهي بابتلاع الطعم والسقوط في المصيدة، قد يكون تحرشا جنسيا من قبل رجل في الشارع، كما هو الحال بالنسبة إلى عائشة وخديجة، أو صداقة في العمل تتطور إلى علاقة حب، كما حدث لمريم، أو حب جامح في رحاب الكلية مع طالب آخر، ثم يتوج المسلسل، بعد شهر، أو بعد سنة، أو خمس، بسقوط الطرفين في "الخطيئة"، التي يعلم الجميع بانتشارها، واستحالة تفاديها، لكنه يرفضها ويصر على نكرانها.

جاءت فاطمة من بلدة بالجنوب إلى طنجة، رفقة أسرتها في 1972، كان عمرها حينها أربع سنوات ونصف، "كانت أسرتي محافظة جدا، عندما أذهب إلى الثانوية أو أعود منها لابد أن ينتبه أصدقائي أن شخصا راشدا يتبعني، حينما ألتفت، أجده أحد أقربائي، واستمر الأمر على ذلك النحو، حتى حينما ولجت الكلية، فلم أشعر يوما بأنهم يثقون بي، وهو ما لم أكن أطيقه، ودخلت ورغم كل شيء في علاقات بريئة ككل الفتيات".

وكانت العلاقة العاطفية الجدية التي قلبت حياة فاطمة رأسا على عقب، تربطها بطالب جامعي، دامت خمس سنوات شيدا خلالها كثيرا من الأحلام ورسما خططا مستقبلية، "بعد تخرجه ألح على الزواج، وقلت له أنت تعرف جيدا القاعدة: عليك أن تقصد بيتنا، ولم يتردد في ذلك، لكن أسرتي لم تتقبل أن يأتي رفقة أخته، وألحوا على حضور فرد أكبر سنا من بين أقربائه، حتى وإن كان يتيما، لكن سيتبين في ما بعد أن المانع الحقيقي هو أنه ليس أمازيغيا"، لكن فاطمة تشبثت به وشقت معه طريقا بعيدا عن عائلتها.

أما مريم، فترعرعت وسط أسرة متوسطة، ربها أب "منصت وصديق لأبنائه"، وكنت "من النوع الذي لا يهتم إلا بدراسته ولا شيء آخر، وينفر من العلاقات العاطفية البريئة في فترة المراهقة، فيضرب بي المثل في محيطي وتتمنى النساء ابنة تشبهني، إلى حدود اللحظة التي وقعت فيها في الفخ، وانضاف اسمي إلى سجل آلاف الأمهات العازبات بالمغرب".

حدث ذلك في صيف 2015، حسب مريم، إذ "علمت زوجة خالي أنني مولعة بالطبخ وصناعة الحلويات، فاقترحت علي الإشتغال خلال عطلة الصيف في مخبزة معروفة لتعلم وصفات واكتساب أسرار حول صناعة أريدها هواية، وهناك وجدت شابا عمره 30 سنة، كان رئيسا للمعدين في المخبزة (شاف باتيسيي)، وبدأت أتعلم على يده، ثم تطور الأمر إلى صداقة ممتدة إلى خارج مقر عمله، فتنامت الأحاسيس واستطاع إيهامي بالزواج، فأوقعني في الخطيئة".

وتشترك عائشة (20 سنة) وخديجة (28 سنة) في أن الاستسلام للتحرش في الشارع العام هو مبتدأ قصتيهما نحو الأمومة بدون زواج. وبالنسبة إلى الأولى، فقد سقطت، وهي حينها قاصر تدرس في السنة الأخيرة من الإعدادي في شراك شاب من حيها، وصلته أصداء اجتهادها الدراسي وسمعتها الجيدة وسط الحي الشعبي، وهو قيد "الإعتقال" في إصلاحية للجانحين، فقال لزملائه "أعرفها، وستكون من نصيبي"، وبمجرد إطلاق سراحه، بدأ يتربص بها في الشارع وأوقعها في شباكه.

وكان الشاب المعروف بسوابقه في الجنوح، متواطئا مع والدته التي تريد زوجة قاصرة في بيتها لاستغلالها كخادمة، فأرشدته إلى حيلة إقناع القاصر المغرر بها بالهروب معه بغرض فرض الأمر الواقع على أسرتها، فكانت الوجهة بيت شقيقه، ومنذ تلك اللحظة دخلت عائشة، في دائرة مغلقة طولها، إلى حدود الآن، ست سنوات، وتجري داخلها أحداث متشابهة ومتكررة مع الشخص نفسه.

أما خديجة، عاملة النسيج، فسقطت في الخطيئة، مباشرة بعد وفاة والدها في 2012، وتركها رفقة شقيقتها الصغرى، تحت رحمة زوجة ثالثة لم تكن أحسن من الثانية التي ذاقا معها ما لا يخطر على بال بعد وفاة والدتهما، ما أهلها لتكون فريسة سهلة لأول رجل يعدها بالزواج، لعله يعتق رقبتها، تحرش بها في الشارع، فتفاعلت معه، وتبادلا روابط الإتصال، ليدخلا في علاقة عاطفية خارج إطار الزواج، علما أنه كان تلميذا في السنة الأخيرة من الباكالوريا ولا يملك شيئا.

ودائما ما يقف الوعد بالزواج وراء "الخطيئة" لدى أغلبية الحالات، إذ تشير دراسة في صفوف 330 أما عازبة، أنجزتها المؤسسة الوطنية للتضامن مع النساء في وضعية صعبة في 2015، أن نسبة 41 في المائة من الفتيات صرن أمهات عازبات، بسبب علاقة غرامية مع وعد بالزواج، مقابل 36 في المائة بسبب علاقة غرامية بدون هدف الإرتباط، و11 في المائة بسبب الإغتصاب، مقابل 12 في المائة حبلن أثناء عمليات جنسية ترتبط بعملهن كبائعات للهوى.

"الهروب"
اليتيمة خديحة، العاملة في مصنع النسيج، وبعدما استجابت لتحرش تلميذ عمره 19 سنة في الشارع، ارتبطت به من 2012 إلى 2015، التاريخ الذي حبلت فيه منه، وهو النبأ الذي رد عليه، قبل أن يختفي، "أنت تكذبين ولابد أن تكون لك علاقات أخرى. ليس إبني، وحتى إذا كان كذلك، إنتظري إلى حين ولادته بعدها نتأكد من نسبه بالطرق القانونية"، فلم تجد حلا، من غير كتمان السر إلى أن حل موعد الولادة.

بماذا يفسر "فرار الرجل"، بوصف ذلك القاسم المشترك بين أغلبية القصص؟ كثير من الضحايا يرجعن ذلك إلى أن الرجال الذين "غرروا" بهن، لم يكن هدفهم يوما الزواج والإرتباط الدائم، بقدر ما يسعون وراء ممارسة الجنس معهن بعد إقناعهن بالوعود المعسولة، وهو ما تتفق معه الناشطة بشرى عبدو، مديرة مركز التحدي للمواطنة، علاوة على اعتبارات أخرى، عناوينها الهروب من المسؤولية، والخوف، ومرجعية قيمية من إنتاج المجتمع الذكوري.

"باستثناء حالات نادرة من الرجال، أغلبهم يعتبرون أنفسهم غير مسؤولين على ما وقع، وبالنسبة إليهم، تظل تلك المرأة مجرد جسد تلذذوا به في مرحلة عابرة من حياتهم، وهي فقط بمثابة (عاهرة) يستحيل الإرتباط بها، أما وعود الزواج والكلام المنمق الذي رأت فيه هي مشاعر صادقة وقابلته بالثقة، فكانت مجرد أداة للوصول إلى مبتغاه ممثلا في ممارسة الجنس".

ويهرب الآباء أيضا، بسبب الخوف من أسرهم "التي ترى في زواجهم من امرأة بعد حملها عارا، إذ أن المرجعية القيمية التي مازلنا للأسف نتربى عليها، تتحكم فيها عقلية ذكورية، تعتبر المرأة التي مارست الجنس خارج إطار الزواج امرأة بدون أخلاق، وهي تربية تحض على مناهضة المساواة بين الجنسين، لذلك، تتحول لحظة متعة إلى مأساة للأم العازبة ومولودها، ما ينتهي بأغلبيتهن، وأمام غياب أي بديل، إلى الخروج إلى امتهان الجنس".

"معارك وسط الخراب"
علاوة على الحط من كرامتهن، ونبذهن من قبل المحيط القريب والمجتمع عامة، بما في ذلك "أصحاب المنازل الذين يقبلون أموالهن مقابل تمكينهن من غرف للكراء في الأحياء الشعبية، تجمع الأمهات العازبات اللواتي تحدثنا إليهن، وتساندهن في ذلك مديرة مركز التحدي للمواطنة، الذي يمول برامج مساعدتهن بفضل الدعم الألماني، على أن أقسى شيء، هو عنف الدولة، وتحديدا ما يسمى ب"العنف القانوني".

وفي هذا الصدد، تقول فاطمة، الأم العازبة منذ 17 سنة، التي تظل، حسب مديرة مركز التحدي، "نموذجا ناجحا"، ليس لابنها حق في الهوية القانونية، "إذ بعدما كانوا في أقسام الحالة المدنية، لا يترددون في وضع عارضة أو علامة إكس في خانة اللقب العائلي، صاروا يفرضون اختيار إسم عبد من عباد الله، وحتى إذا اخترت اسما عائليا قريبا من الإسم العائلي للأم أو الأب، يرفضونه، وعندما يكبر الإبن، ويستصدر بطاقة التعريف الوطنية، يظل يوميا يعاين أنه من أب مجهول أو رافض للإعتراف به، وبمجرد أن يقف في نقطة تنقيط أمنية، أو يضع نسخة منها لدى الإدارة، تنكشف قصة أمه والظروف التي ولد فيها".

و تُـؤَكّـد "بشرى عبدو"، ذلك المُعطى المتعلـق الذي ينتهك الحق في النسيان، بالقول: "عندما نذهب بإحداهن إلى أقسام الحالة المدنية لتسجيل المولود، بعد استصدار عدد من الوثائق، يحرمهن ضباط أقسام الحالة المدنية من حرية اختيار الإسم واللقب، وكلما تعلق الأمر بالإسم العائلي، يعودون إلى سجل كبير من الأسماء العائلية، فيجرون بحثا فيه، وغالبا ما يقولون: عليها أنت تختار إسما عائليا عبد الله أو عبد الرحمان أو أي عبد من عباد الله"، وتضيف بشرى بسخرية "يستحيل أن يقبل من أم عازبة إسما عائليا متداولا، أما بعض الألقاب التي تشبه أسماء عائلات نافذة، فهي كأنها مقدسة ولا يجب تدنيسها".

وقبل أن تصل الأمهات العازبات إلى مرحلة تسجيل الإبن في سجلات الحالة المدنية لتمتيعهم بالشخصية القانونية، عليهن سلك مساطر معقدة جدا، األبهن لا ينجحن في المرور منها دون دعم الجمعيات المهتمة بحقوق المرأة ومستشاريها القانونيين.

وتحكي مريم، مثلا، أنها "بعد الوضع، ذهبت رفقة والدي إلى الشقة التي كان يكتريها والد طفلي، ووجدنا هناك صاحبة البيت التي تعاطفت معي وسلمتني نسخة بطاقة تعريفه الوطنية، فبدأت بالبحث عنه إلى أن وجدته في أزمور، وقد تزوج بفتاة من عائلته، وبصعوبة كبيرة، وبفضل مواكبة الجمعية، اقتنع أخيرا بأن يحرر لي اعترافا لدى مكتب العدول بنسب ابني إليه، وبفضل تلك الوثيقة، بدأت الآن معركة تسجيل إبني في سجلات الحالة المدنية".

وتسمى تلك الصيغة، وفق دليل المساطر "مسطرة الإقرار"، وخطوتها الأولى مثول الأب والأم أمام العدول، ومعهما إشعار الولادة المسلم من المستشفى، أو شهادة القابلة وشاهدتين إذا تم الوضع في المنزل، لاستصدار "الشهادة العدلية"، ثم التوجه إلى المقاطعة التابعة لمكان الولادة للحصول على الشهادة الإدارية، ثم مكتب الحالة المدنية لاستصدار شهادة عدم التسجيل في الحالة المدنية، وبعدها التوجه إلى المحكمة من أجل استصدار حكم قضائي يقضي بتسجيل المولود في سجلات الحالة المدنية.

وتشير إحصائيات مركز الإستماع بمركز التحدي للمواطنة، أنه خلال الفترة من مارس إلى دجنبر 2016، تم استقبال 87 امرأة معنفة، 21 في المائة منهن أمهات عازبات، وتعرضن لأشكال متعددة من الإنتهاكات عددها 1372 فعل عنف، انقسمت إلى 593 فعل عنف نفسي، من قبيل السب والشتم والتهديد بالقتل والاتهام بالخيانة والطرد من البيت، و340 فعل عنف إقتصادي، من قبيل الحرمان من الوثائق الإدارية ومن الشغل والعلاج، و218 فعل عنف جسدي، و132 عنف قانوني، و89 فعل عنف جنسي.

وتسجل وحدة العلاج النفسي بالمركز ذاته، معاناة الأمهات العازبات، أعراضا وأمراضا نفسية بسبب الصعوبات التي تواجههن، أبرزها الإحساس بالحزن، والخوف والفوبيا، والأرق وفقدان القدرة على النوم، ثم الإكتئاب المفضي إلى محاولة الإنتحار، أما الآثار الجسدية فهي كدمات وجروح وأمراض جنسية، في حين يخلف العنف الإقتصادي، آثارا تتمثل في تدهور مستوى العيش، وانخفاض المردودية، وفقدان السكن والعمل وبالتالي التشرد.

وعندما تسأل فاطمة (49 سنة) ومريم (24 سنة)، وخديجة (28 سنة)، وعائشة (20 سنة)، على طبيعة الرسالة التي يتوجهن بها إلى العموم، يكون أول ما يتبادر إلى أذهانهن، بنات جنسهن، فتقول مريم بسوداوية رهيبة: "ماتخليهش ياكل ليك دماغك، إياك والسقوط في فخ الكلام المعسول"، وتساندها فاطمة بالقول "إحذرن من الرجال، ولا تستعجلن الزواج، وركزن على دراستكن وبناء مستقبلكن واستقلاليتكن المالية، فالمغرب، ومجتمعه وقوانينه، ورغم كافة التغييرات الحاصلة من تقدم تكنولوجي وانفتاح، وارتفاع السن المتوسط للزواج، مازال محافظا جدا وتسوده عقلية ذكورية لن ترحمكن إذا سقطتن في الخطيئة"..




رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://journaldetangernews.com/news6191.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.